جمع القرأن الكريم

صفحة 3 من اصل 3 الصفحة السابقة  1, 2, 3

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

رد: جمع القرأن الكريم

مُساهمة من طرف عبد الرحيم علي في السبت يوليو 19, 2008 3:05 pm

حرق المصاحف المخالفة

بعد أن أتم عثمان ? نسخ المصاحف، وأمضاها إلى الأمصار، كان لا بد من منع كل ما خالفها، فأمر من كان عنده شيء مِمَّا عداها من الصحف التي كانوا يكتبون فيها القرآن أن يحرقه، حتى لا يأخذ أحدٌ إلا بتلك المصاحف التي حصل عليها إجماع الصحابة.
عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ في جمع عُثْمَانَ المصاحف، قال: حَتَّى إِذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ فِي الْمَصَاحِفِ، رَدَّ عُثْمَانُ الصُّحُفَ إِلَى حَفْصَةَ، وَأَرْسَلَ إِلَى كُلِّ أُفُقٍ بِمُصْحَفٍ مِمَّا نَسَخُوا، وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ مِنَ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ صَحِيفَةٍ أَوْ مُصْحَفٍ أَنْ يُحْرَقَ.(1)
وقد اختلفت الروايات بالذي فعله عثمان ? بالمصاحف التي كانت عند الناس، فرواية البخاري السابقة: وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ مِنَ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ صَحِيفَةٍ أَوْ مُصْحَفٍ أَنْ يُحْرَقَ.
قال الحافظ: في رواية الأكثر (أن يُخرق) بالخاء المعجمة… وفي رواية الإسماعيلي: (أن تمحى أو تحرق).(2)
وعند ابن أبي داود من حديث أنس بن مالك: وأمرهم أن يحرقوا كل مصحف يخالف المصحف الذي أرسل به، فذلك زمان حُرِّقَت المصاحف بالعراق بالنار.(3)
وهذه الرواية صريحة في أن ما فعلوه إنَّما هو إحراق تلك الصحف بالنار، إذهابًا لَها، وصونًا عن الوطء بالأقدام.
وعنده أيضًا من طريق أبي قلابة: فلما فرغ من المصحف، كتب إلى أهل الأمصار، أني قد صنعت كذا، ومحوت ما عندي، فامحوا ما عندكم.(4)
قال ابن حجر: والْمحو أعمُّ من أن يكون بالغسل أو التحريق، وأكثر الروايات صريحٌ في التحريق، فهو الذي وقع، ويحتمل وقوع كل منهما بحسب ما رأى من كان بيده شيء من ذلك.
وقد جزم القاضي عياضٌ بأنَّهم غسلوها بالماء، ثم أحرقوها مبالغة في إذهابِها.(5)
وقد روى ابن أبي داود بسنده عن بعض أهل طلحة بن مصرِّف، أنه قال: دفن عثمان المصاحف بين القبر والمنبر.(6)
وهذا الأثر ضعيفٌ، ففيه مجهول، وهو الراوي عن طلحة بن مصرِّف، ومع ذلك فهو مناقض لِمَا صحَّ من الآثار السابقة في الصحيح وغيره، أن عثمان ? أحرق المصاحف، وأنه لم ينكر عليه أحد من الصحابة ذلك.
وقد اتفق الصحابة ? مع عثمان على ما أراد من تحريق المصاحف التي كانوا يكتبونَها، فاستجابوا له وحرقوا مصاحفهم.
عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ أنه قال: يا أيها الناسُ، لا تغلوا في عثمان، ولا تقولوا له إلا خيرًا في المصاحف وإحراق المصاحف، فوالله، ما فَعَلَ الذي فَعَلَ في المصاحفِ إلاَّ عن ملأٍ منَّا جميعًا، قال: واللهِ، لو وُلِّيتُ لفعلتُ مثلَ الذي فعلَ.(7)
وعن مصعب بن سعد قال: أدركت الناس حين شقَّق عثمان ? المصاحف، فأعجبهم ذلك، أو قال: لم يعِبْ ذلك أحدٌ.(Cool
وأما الصحف التي كتبت في زمن أبي بكر ?، فقد ردَّها عثمان ? إلى حفصة بعد كتابة المصاحف، كما في حديث أنس بن مالك أنه قال: حَتَّى إِذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ فِي الْمَصَاحِفِ، رَدَّ عُثْمَانُ الصُّحُفَ إِلَى حَفْصَةَ.(9)
وقد أبقى عثمان ? الصحف التي كان كتبها أبو بكر، لأنه كان قد وعد حفصة -رضي الله عنها- أن يردَّها إليها، كما في الحديث المذكور آنفًا، عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قال: فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى حَفْصَةَ أَنْ أَرْسِلِي إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ نَنْسَخُهَا فِي الْمَصَاحِفِ ثُمَّ نَرُدُّهَا إِلَيْكِ فَأَرْسَلَتْ بِهَا حَفْصَةُ إِلَى عُثْمَانَ.
وعند ابن أبي داود من طريق ابن شهاب عن سالم قال: فأرسل إليها عثمان، فأبت أن تدفعها إليه، حتى عاهدها ليَرُدَّنَّها إليها، فبعثت بِها إليه.(10)
ويحتمل أنه أبقاها أيضًا لاحتمال الرجوع إليها؛ لأنَّها كانت أصلاً لمصاحفه، وانعقد عليها إجماع الصحابة، وأما غيرها، فقد تكون مخالفةً لمصاحفه؛ فتكون سببًا للاختلاف.
قال الجعبري: ونزل تحريقه ما سواها(11) على مصاحف الصحابة ?؛ لأنَّهم كانوا يكتبون فيها التفسير الذي يسمعونه من النَّبِيّ ?، ويحتمل ذلك نحو الرقاع؛ لئلا ينقلها من لا يعرف ترتيبها، فيختلَّ، لا الصحف، لاحتمال الرجوع إليها.(12)
ولَما تولى مروان بن الحكم(13) إمرة المدينة في خلافة معاوية ?، طلب الصحف من حفصة -رضي الله عنها- ليحرقها؛ حتى لا يرتاب في شأنِها أحدٌ، فيظن أن فيها ما يُخالف المصحف الذي استقرَّ عليه الأمر، أو يظن أنَّ فيها ما لم يكتبه عثمان في المصاحف، فأبت حفصة أن تعطيها إياها، فبقيت تلك الصحف عندها إلى وفاتِها، فلمَّا توفيت حضر مروان جنازتَها، ثم أرسل إلى عبد الله بن عمر بالعزيـمة أن يرسل الصحف إليه، فنشرها بين الناس وأحرقها، ليعلم الجميع بذلك، ولا تتشوَّف نفس أحد إلى ما فيها ظنًّا أنَّها تَختلف عن مصاحف عثمان ?.
عن سالم بن عبد الله أن مروان كان يرسل إلى حفصة يسألها الصحف التي كُتب منها القرآن، فتأبى حفصة أن تعطيه إياها. قال سالم: فلمَّا تُوفيت حفصة ورجعنا من دفنها أرسل مروان بالعزيـمة إلى عبد الله بن عمر ليُرسِلنَّ إليه بتلك الصحف، فأرسل بِها إليه عبد الله بن عمر، فأمر بِها مروان فشُقِّقت، فقال مروان: إنَّما فعلت هذا لأن ما فيها قد كُتِب وحُفِظ بالمصحف، فخشيت إن طال بالناس زمانٌ أن يرتاب في شأن هذه الصحف مُرتابٌ، أو يقول: قد كان شيءٌ منها لم يُكْتب.(14)
وفي رواية: ففشاها وحرَّقها، مَخافة أن يكون في شيء من ذلك اختلافٌ لَمَّا نسخ عثمان -رحمة الله عليه.(15)
وفي رواية فغسلها غسلاً.(16)
ولا يبعد أن يكون مروان قد فعل بالصحف جميع ما ذكر من التمزيق والغسل والتحريق.
قال ابن حجر: ويجمع بأنه صنع بالصحف جميع ذلك من تشقيق، ثم غسل، ثم تحريق.(17)
حكم ما بلي من الصحف التي فيها قرآن
وقد اختلف العلماء في الصحف التي فيها كلام الله إذا بليت، فاحتيج إلى تعطيلها.
فذهب كثيرٌ من العلماء إلى جواز تحريقها صيانة لها من الوطء أو الامتهان، وذهب البعض إلى غسلها بالماء، وبعضهم إلى دفنها في الأرض.
عن ابن طاووس عن أبيه، أنه لم يكن يرى بأسًا أن يحرق الكتب، وقال: إنما الماء والنار خلقان من خلق الله تعالى.(18)
قال ابن بطال معلقًا على قول أنس بن مالك السابق: (وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ مِنَ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ صَحِيفَةٍ أَوْ مُصْحَفٍ أَنْ يُحْرَقَ)، قال: في هذا الحديث جواز تحريق الكتب التي فيها اسم الله بالنار، وأن ذلك إكرامٌ لَها وصونٌ عن وطئها بالأقدام.(19)
قال السيوطي: لا يجوز وضعها في شقٍّ أو غيره، لأنه قد يسقط ويُوطأ، ولا يجوز تَمزيقها، لِما فيه من تقطيع الحروف، وتفرقة الكلم، وفي ذلك إزراءٌ بالمكتوب.(20)
وقال الحليمي:(21) وله غسلهابالماء، وإن أحرقها بالنار فلا بأس.
قال الزركشي: وذكر غيره أن الإحراق أولى من الغسل؛ لأن الغُسالة قد تقع على الأرض.(22)
وجزم القاضي حسين(23) من الشافعية بامتناع الإحراق؛ لأنه خلاف الاحترام، وجزم النووي بالكراهة.(24)
عن أبي موسى الأشعري أنه أُتي بكتاب، فقال: لولا أني أخاف أن يكون فيه ذكر الله ? لأحرقته.(25)
وفي بعض كتب الحنفية أن المصحف إذا بلي لا يُحرق، بل يُحفر له في الأرض، ويدفن.
قال الزركشي: ونُقل عن أحمد أيضًا، وقد يتوقف فيه؛ لتعرضه للوطء بالأقدام.(26)
والذي يظهر رجحانه من هذه الأقوال قول من رأى إحراقها بالنار؛ لأنه فعل الصحابة ?، ولم يخالف في ذلك أحدٌ منهم، ولو أن بعضهم كره الإحراق لنُقل إلينا.
وقد مرَّ بنا قريبًا الآثار التي فيها تحريق الصحف في زمن عثمان ?، والتي فيها رضى الصحابة جميعًا بِما صنع.

(1) رواه البخاري في صحيحه: كتاب فضائل القرآن باب جمع القرآن (8/626) ح 4987.
(2) فتح الباري بشرح صحيح البخاري (8/636).
(3) كتاب المصاحف ص 27.
(4) كتاب المصاحف ص 29.
(5) فتح الباري بشرح صحيح البخاري (8/636).
(6) كتاب المصاحف لابن أبي داود، باب انتزاع عثمان ? المصاحف، ص 43.
(7) رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب جمع عثمان المصاحف ص 30. وقال الحافظ ابن حجر: بإسنادٍ صحيح. فتح الباري (8/634).
(Cool رواه الداني في المقنع في معرفة رسم مصاحف الأمصار ص 18، ورواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب اتفاق الناس مع عثمان على جمع المصاحف، ص 19، ولفظه: ولم ينكر ذلك منهم أحدٌ.
(9) رواه البخاري في صحيحه: كتاب فضائل القرآن باب جمع القرآن (8/626) ح 4987.
(10) رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف، باب جمع أبي بكر الصديق القرآن ص 16، وعند الطحاوي: وَحَلَفَ لَهَا لَيَرُدَّنَّ الصَّحِيفَةَ إلَيْهَا. تأويل مشكل الآثار، باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ? مِنْ قَوْلِهِ: أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ. (4/193).
(11) يعني الصحف التي كتبها أبو بكر.
(12) انظر الكواكب الدرية ص 25.
(13) هو مروان بن الحكم بن أبي العاص، ولد سنة اثنتين من الهجرة، ولم ير النَّبِيّ ?، استعمله معاوية ? على مكة والمدينة والطائف، وبويع له بالخلافة بعد وفاة معاوية بن يزيد بن معاوية، وكانت مدة ولايته تسعة أو عشرة أشهرٍ. أسد الغابة في معرفة الصحابة (5/144،145).
(14) رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب جمع عثمان المصاحف ص 32، وقال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح. مجمع الزوائد (7/159)، وقال ابن كثير: إسنادٌ صحيح. فضائل القرآن ص 46.
(15) كتاب المصاحف لابن أبي داود ص 28.
(16) ذكرها الحافظ في الفتح (8/636).
(17) فتح الباري بشرح صحيح البخاري (8/636).
(18) رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب حرق المصحف إذا استغني عنه. ص 224.
(19) انظر فتح الباري (8/637).
(20) الإتقان في علوم القرآن (4/165).
(21) هو الإمام أبو عبد الله الحسين بن الحسن الحليمي البخاري، شيخ الشافيعة، ورئيس المحدثين والمتكلمين بِما رواء النهر، صاحب المنهاج في شعب الإيمان، توفي سنة 403 هـ. انظر شذرات الذهب (3/167-168)، وسير أعلام النبلاء (17/231-232).
(22) البرهان في علوم القرآن (1/477).
(23) هو القاضي أبو علي الحسين بن محمد بن أحمد المروزي، شيخ الشافعية في زمانه، وصاحب الفتاوى المشهورة، توفي سنة 462 هـ. انظر شذرات الذهب (3/310).
(24) التبيان في آداب حملة القرآن ص 89، والإتقان في علوم القرآن (4/165).
(25) رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب حرق المصحف إذا استغني عنه. ص 224.
(26) البرهان في علوم القرآن (1/477).

_________________


عبد الرحيم علي

عدد الرسائل: 104
العمر: 56
الموقع: irhassat.mountada.biz
تاريخ التسجيل: 11/07/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://irhassat.mountada.biz

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: جمع القرأن الكريم

مُساهمة من طرف عبد الرحيم علي في السبت يوليو 19, 2008 3:06 pm

اعتراض ابن مسعود على عدم توليه الجمع

كان عبد الله بن مسعود ? أحد أئمة القراءة من أصحاب النَّبِيّ ?،ـ(1) وكان أول من جهر بالقرآن بين المشركين في مكة،(2) وكان أحد الأربعة الذين أمر النَّبِيّ ? بأخذ القرآن عنهم.
فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنُ عَمْرٍو أنه ذَكَرَ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ فَقَالَ: لاَ أَزَالُ أُحبُّهُ؛ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ? يَقُولُ: خُذُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ: مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَسَالِمٍ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.(3)
فلمَّا جمع عثمان ? القرآن، ونسخه في المصاحف، وأرسلها إلى الأمصار، كَرِه ذلك ابن مسعودٍ ?، فقد كان يكره أن يُمنع أحدٌ من قراءة شيء سمعه من رَسُول اللهِ ?.
عن أبي الشعثاء قال: كنا جلوسًا في المسجد، وعبد الله يقرأ، فجاء حذيفة، فقال: قراءة ابن أم عبدٍ، وقراءة أبي موسى الأشعري! والله إن بقِيتُ حتى آتِيَ أمير المؤمنين (يعني عثمان) لأمرتُهُ أن يجعلها قراءةً واحدةً. قال: فغضب عبد الله، فقال لحذيفة كلمةً شديدةً. قال: فسكت حذيفة.(4)
ولَمَّا أرسل عثمان ? المصحف إلى الكوفة مع حذيفة بن اليمان كره ذلك ابن مسعود،(5) وكان يرى أنه أحق بأن يقوم بجمع القرآن، لِما له من المكانة في القراءة، والتلقِّي عن رَسُول اللهِ ? .
عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنه قَالَ: عَلَى قِرَاءةِ مَنْ تَأْمُرُونِّي أَقْرَأُ؟ لَقَدْ قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ? بِضْعًا وَسَبْعِينَ سُورَةً، وَإِنَّ زَيْدًا لَصَاحِبُ ذُؤَابَتَيْنِ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ.(6)
ولَمَّا أمر عثمان ? بانتزاع المصاحف المخالفة وإحراقها، رفض ذلك ابن مسعودٍ ?، وأمر الناس بأن يغلُّوا المصاحف.
فعَنْ شَقِيقٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ أَنَّهُ قَالَ: } وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ {،(7) ثُمَّ قَالَ: عَلَى قِرَاءةِ مَنْ تَأْمُرُونِي أَنْ أَقْرَأَ؟ فَلَقَدْ قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ? بِضْعًا وَسَبْعِينَ سُورَةً، وَلَقَدْ عَلِمَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ? أَنِّي أَعْلَمُهُمْ بِكِتَابِ اللهِ، وَلَوْ أَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا أَعْلَمُ مِنِّي لَرَحَلْتُ إِلَيْهِ. قَالَ شَقِيقٌ: فَجَلَسْتُ فِي حَلَقِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ? فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَرُدُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَلاَ يَعِيبُهُ.(Cool
وقَالَ الزُّهْرِيُّ أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَرِهَ لِزَيْدِ ابْنِ ثَابِتٍ نَسْخَ الْمَصَاحِفِ، وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، أُعْزَلُ عَنْ نَسْخِ كِتَابَةِ الْمُصْحَفِ، وَيَتَوَلاَّهَا رَجُلٌ، وَاللهِ، لَقَدْ أَسْلَمْتُ وَإِنَّهُ لَفِي صُلْبِ رَجُلٍ كَافِرٍ، يُرِيدُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، وَلِذَلِكَ قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ اكْتُمُوا الْمَصَاحِفَ الَّتِي عِنْدَكُمْ وَغُلُّوهَا؛ فَإِنَّ اللهَ يَقُولُ:} وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ {، فَالْقُوا اللهَ بِالْمَصَاحِفِ.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَبَلَغَنِي أَنَّ ذَلِكَ كَرِهَهُ مِنْ مَقَالَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رِجَالٌ مِنْ أَفَاضِلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ?.ـ(9)
كان هذا هو مجمل اعتراض عبد الله بن مسعودٍ ? على عثمان في تولية زيدٍ نسخ المصاحف.
ولا شك أن اختيار عثمان ? زيدًا لنسخ المصاحف كان نظرًا منه لمصلحة الإسلام والمسلمين، لِما يرى من أهليته دون غيره لذلك العمل الجليل، ولو أنه ? ظنَّ بعبد الله بن مسعودٍ مثل ذلك وعلمه منه، لترتَّب عليه فَرْضُ توليته دون غيره.
ولو حدث ذلك لساغ لآخر أن يقول: ولم اختار ابن مسعود دون غيره؟ ولمَ عدل عن أبيِّ بن كعبٍ مع ما فيه من الفضائل؟ ولمَ ترك زيد بن ثابت، وهو كاتب النَّبِيّ ?؟ وهذا باب لا طريق إلى سدِّه.(10)
فاختيار زيد لِهَذِهِ المهمة كان اجتهادًا من الخليفة الراشد عثمان ?، وكان نظرًا منه لِمصلحة الأمة، وقد وافقه على هذا الاجتهاد كل من شهده، إلا ما ورد عن ابن مسعود من كراهية ذلك.
ولقد صوَّب العلماء اختيار عثمان زيدَ بن ثابتٍ لِهذا العمل، وعللوا ذلك بأمور، منها:
الأول: أن زيدًا كان هو الذي قام بجمع القرآن في عهد أبي بكر، لكونه كاتبَ الوحي، ولَمَّا كانت المهمة الجديدة، وهي نسخ المصاحف، مرتبطة بالمهمة الأولى -كان اختار زيد أولى من اختيار ابن مسعودٍ، فقد كان لزيد في ذلك أوليةً ليست لغيره.(11)
وقد روى ثعلبة بن مالك عن عثمان ? أنه قال: من يعْذِرُني من ابن مسعودٍ، يدعو الناس إلى الخلاف والشبهة والتعصب عليَّ إذ لم أوَلِّه نسخ القرآن، فهلاَّ عتب على أبي بكر وعمر، هما عزلاه عن نسخ القرآن وولياه زيدَ بن ثابت، واتَّبعت أثرهما فيما بقيَ من أصحاب النَّبِيّ ?.ـ(12)
الثاني: أن جمع القرآن في زمن عثمان كان بالمدينة، وكان ابن مسعودٍ إذ ذاك بالكوفة، ولم يؤخر عثمان ما عزم إليه من ذلك إلى أن يرسل إليه ويحضر، فقد كانت الفتنة تدق الأبواب بعنفٍ، وكان لا بد من معاجلتها قبل أن تستشري.(13)
الثالث: أن فضل ابن مسعود على زيد بن ثابت لا يسوِّغ تقديـمه عليه في نسخ المصاحف، فقد كان ابن مسعود إمامًا في الأداء، وكان زيدٌ إمامًا في الخط والكتابة، مع كونه في المحل الشريف في حفظ القرآن، وحسن الخط والضبط، وكان من خواص كتبة النَّبِيّ ?، فكان اختيار الأعلم بالكتابة والخط والضبط أولى من اختيار الأقدم في التلقي والحفظ.
فلو أن أحدنا أراد أن يكتب اليوم مصحفًا، فلن يلتمس له أقدم أهل عصره حفظًا، أو أقواهم أو أشجعهم، وإنَّما يلتمس أحسنهم ضبطًا وخطًّا، وأحضرهم فهمًا.(14)
وقد ورد أن عبد الله بن مسعود لم يكن قد حفظ كل القرآن في حياة النَّبِيّ ?، بل ورد أيضًا أنه مات ولم يختمه، فكان زيدٌ بذلك أولى منه، إذ قد كان حفظ القرآن كله في حياة النَّبِيّ ?.
قال القرطبي: فالشائع الذائع الْمتَعالَم عند أهل الرواية والنقل أن عبد الله بن مسعود تعلَّم بقية القرآن بعد وفاة رَسُول اللهِ ?، وقد قال بعض الأئمة: مات عبد الله بن مسعود قبل أن يختم القرآن.(15)
ويضاف إلى هذا ما كان لزيد بن ثابت من الخصال التي أهلته لجمع القرآن على عهد الصدِّيق، كما مرَّ بنا.(16)
وقد كان يكفي لاختياره لِهذا العمل ثقة النَّبِيّ ? فيه، إذ أمره أن يتعلم كتاب يهودٍ، فتعلمه في سبعةَ عشرَ يومًا، فضرب بذلك أروع مثلٍ في الفطنة والذكاء، مع حداثة سِنِّه ?.
عن زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ?، فَتَعَلَّمْتُ لَهُ كِتَابَ يَهُودَ، وَقَالَ: إِنِّي وَاللهِ مَا آمَنُ يَهُودَ عَلَى كِتَابِي، فَتَعَلَّمْتُهُ، فَلَمْ يَمُرَّ بِي إِلاَّ نِصْفُ شَهْرٍ حَتَّى حَذَقْتُهُ، فَكُنْتُ أَكْتُبُ لَهُ إِذَا كَتَبَ، وَأَقْرَأُ لَهُ إِذَا كُتِبَ إِلَيْهِ.(17)
وفي رواية أنه قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ?: تُحْسِنُ السُّرْيَانِيَّةَ؟ إِنَّهَا تَأْتِينِي كُتُبٌ. قَالَ: قُلْتُ: لاَ. قَالَ: فَتَعَلَّمْهَا. فَتَعَلَّمْتُهَا فِي سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا.(18)
وقد أنكر الصحابة على ابن مسعود ما فعله من منافرة الجماعة فيما رأوا من نسخ المصاحف واختيار زيد لذلك العمل، ومن تحريضه الناس على عدم تحريق مصاحفهم، كما مرَّ قريبًا في حديث الزهري، وفيه:
قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَبَلَغَنِي أَنَّ ذَلِكَ كَرِهَهُ مِنْ مَقَالَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رِجَالٌ مِنْ أَفَاضِلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ?.ـ(19)
على أن ما جاء عن ابن مسعود من كراهة ذلك إنما كان ظنًّا منه أنه يَمنع من قراءة القرآن على وجه مما صحَّ عن النَّبِيّ ? أنه قرآن منَزل، مستقرٌّ في العرضة الأخيرة، فلمَّا تبين له عدم المنع مِمَّا صح من القراءة رجع عن رأيه إلى رأي الجماعة.
قال الباقلاني: وقد وردت الروايات أن عثمان وعظه، وحذَّره الفُرقة، فرجع واستجاب إلى الجماعة، وحثَّ أصحابه على ذلك، فروي عنه في حديث طويل، أنه قال: … فمن قرأ على قراءتي، فلا يدعها رغبةً عنها، ومن قرأ عليَّ شيئًا من هذه الحروف، فلا يدعَنْه رغبةً عنه؛ فإنه من جحد بحرف منه فقد جحده كله.(20)
مصحف ابن مسعود يوافق مصاحف الجماعة
ومِمَّا يدل على أن ابن مسعودٍ ? قد رجع إلى رأي الجماعة أن قراءته قد رواها عاصم وحمزة والكسائي، وغيرهم، كما مرَّ بنا،(21) وقراءة هؤلاء الأئمة موافقة للمصاحف العثمانية -بلا شكٍّ.
ولا شك أيضًا أن قراءة ابن مسعود كانت موافقة لِمصحفه، فدل ذلك على أنه رجع إلى ما اتفقت عليه جماعة المسلمين، بعد أن ظهر له صوابُهم في ذلك.
قال أبو محمد بن حزم: وأما قولُهم إن مصحف عبد الله بن مسعود ? خلاف مصحفنا فباطلٌ وكذبٌ وإفكٌ. مصحف عبد الله بن مسعود إنَّما فيه قراءته بلا شكٍّ، وقراءتُه هي قراءة عاصمٍ المشهورة عند جميع أهل الإسلام في شرق الأرض وغربِها، نقرأ بِها كما ذكرنا، كما نقرأ بغيرها مما صحَّ أنه كل منَزلٌ من عند الله تعالى.(22)
قال البلاقلاني: ولو كان في قراءة ابن مسعود ما يُخالف مصحف عثمان لظهر ذلك في قراءة حمزة خاصةً … إلى أن قال: ولو لقي أحدٌ من أصحاب عبد الله أحدًا مِمَّن قرأ عليه خلاف قراءة الجماعة، لوجب أن ينقل ذلك نقلاً ظاهرًا مشهورًا، وفي عدم ذلك دليلٌ على فساد هذا.(23)

(1) مرَّ ذكره في المبحث الرابع من الفصل الأول من الباب الأول (الحفاظ من الصحابة).
(2) السيرة النبوية لابن هشام (1/275).
(3) رواه البخاري في فضائل القرآن باب القراء من أصحاب النبي ? ح 4999.انظر الصحيح مع فتح الباري (8/662).
(4) رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب كراهية عبد الله بن مسعود ذلك ص 20.
(5) انظر المصاحف لابن أبي داود ص 44.
(6) رواه النسائي في سننه، كتاب الزينة، باب الذؤابة (8/134) ح 5063، وابن أبي داود في كتاب المصاحف باب كراهية عبد الله بن مسعود ذلك ص 21،22.
(7) سورة آل عمران، من الآية 161.
(Cool رواه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، بَاب مِنْ فَضَائِلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ (16/16) ح 2462، وابن أبي داود في كتاب المصاحف باب كراهية عبد الله بن مسعود ذلك ص 23.
(9) رواه الترمذي في جامعه،كتاب تفسير القرآن باب ومن سورة التوبة (4/348-349) ح 3104، وابن أبي داود في كتاب المصاحف باب كراهية عبد الله بن مسعود ذلك ص 24-25.
(10) انظر نكت الانتصار لنقل القرآن ص 369-370.
(11) نكت الانتصار لنقل القرآن ص 363، و ص 368، وفتح الباري (8/635).
(12) ذكر هذا الخبر القاضي الباقلاني في الانتصار، انظر: نكت الانتصار لنقل القرآن ص 363.
(13) فتح الباري (8/635)، ونكت الانتصار لنقل القرآن ص 372.
(14) انظر نكت الانتصار لنقل القرآن ص 368-369.
(15) الجامع لأحكام القرآن (1/39).
(16) انظر : من قام بالجمع في عهد أبي بكر، وهو الفصل الثالث من الباب الثاني.
(17) رواه أبو داود في سننه، كتاب العلم باب رواية حديث أهل الكتاب (3/318) ح 3645.
(18) رواه أحمد في مسنده، مسند الأنصار (6/223) ح 21077.
(19) رواه الترمذي في جامعه،كتاب تفسير القرآن باب ومن سورة التوبة (4/348-349) ح 3104، وابن أبي داود في كتاب المصاحف باب كراهية عبد الله بن مسعود ذلك ص 24-25.
(20) نكت الانتصار لنقل القرآن ص 264، وروى نحوه الإمام أحمد في مسنده: مسند المكثرين من الصحابة، (1/669) ح 3835.
(21) انظر مبحث الحفاظ من الصحابة، وهو المبحث الرابع من الفصل الأول من الباب الأول.
(22) الفصل في الملل والأهواء والنحل (2/212).
(23) نكت الانتصار لنقل القرآن ص 380-382.

_________________


عبد الرحيم علي

عدد الرسائل: 104
العمر: 56
الموقع: irhassat.mountada.biz
تاريخ التسجيل: 11/07/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://irhassat.mountada.biz

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

صفحة 3 من اصل 3 الصفحة السابقة  1, 2, 3

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى