جمع القرأن الكريم

صفحة 2 من اصل 2 الصفحة السابقة  1, 2

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

رد: جمع القرأن الكريم

مُساهمة من طرف عبد الرحيم علي في السبت يوليو 19, 2008 4:01 pm

الفرق بين جمع القرآن في مراحله الثلاث

نستطيع بعد هذا العرض أن نتبين الفرق بين جمع القرآن في مراحله الثلاث، فقد كان لكل مرة من مرات جمع القرآن أسباب خاصة، وكان لكل مرة أيضًا كيفية خاصة، فالفرق بين المراحل الثلاث كان من حيث الأسباب والكيفيات:
الفرق بين المراحل الثلاث من حيث الأسباب:
1. أسباب جمع القرآن في عهد النَّبِيّ ?: زيادة التوثق للقرآن، والتحري في ضبط ألفاظه، وحفظ كلماته، وإن كان التعويل في ذلك الوقت إنما كان على الحفظ والاستظهار، وتبليغ الوحي على الوجه الأكمل.
2. سبب جمع القرآن في زمن أبي بكر ?: الخوف على ضياع شيء من القرآن بِهلاك حفَّاظه، وضياع ما عندهم مِمَّا كُتِب بين يدي النبي ?.
3. سبب جمع القرآن في عهد عثمان ?: خوف الفتنة التي وقع فيها المسلمون بسبب اختلافهم في القراءة بحسب ما تعلموه من الأحرف التي نزل بِها القرآن، والمحافظة على كتاب الله من التبديل والتغيير.
الفرق بين المراحل الثلاث من حيث الكيفية:
1. كيفية جمع القرآن في عهد النَّبِيّ ?: ترتيب الآيات في سورها، وكتابة الآيات فيما تيسر من مواد الكتابة، مع بعثرة ذلك المكتوب، وعدم جمعه في مكان واحد.
2. كيفية جمع القرآن في زمن أبي بكر ?: جمع المكتوب في عهد النَّبِيّ ? ونقله في صحفٍ، وهي أوراق مجردة، مرتب الآيات أيضًا، وبحيث تجتمع كل سورة متتابعة في تلك الصحف، لكن من غير أن تجمع تلك الصحف في مجلد أو مصحفٍ واحد.
3. كيفية جمع القرآن في عهد عثمان ?: نقل ما في صحف أبي بكر في مصحف إمامٍ، ونسخ مصاحف منه، وإرسالها إلى الآفاق، لتكون مرجعًا للناس عند الاختلاف.(Cool
قال البيهقي (بعد حديث زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ? نُؤَلِّفُ الْقُرْآنَ مِنَ الرِّقَاع)ِ(9): وهذا يشبه أن يكون أراد به تأليف ما نزل من الكتاب: الآيات المتفرقة في سورها، وجمعها فيها بإشارة النبي ?، ثم كانت مثبتة في الصدور، مكتوبة في الرقاع واللخاف والعسب، فجمعها منها في صحفٍ بإشارة أبي بكرٍ وعمر، ثم نسخ ما جمعه في الصحف(10) في مصاحف بإشارة عثمان بن عفان ? على ما رسم المصطفى ?.ـ(11)
قال القاضي الباقلاني: لم يقصد عثمانُ قَصْدَ أبي بكرٍ في جمع نفس القرآن بين لوحين، وإنما قصد جمعَهم على القراءات الثابتة المعروفة عن النَّبِيّ ?، وإلغاء ما ليس كذلك، وأخْذَهُم بِمصحفٍ لا تقديم فيه ولا تأخير، ولا تأويل أُثبِت مع تنْزِيلٍ، ولا منسوخ تلاوته كُتِبَ مع مُثْبَت رسمه ومفروضٍ قراءتُه وحفظُه؛ خشية وقوع الفساد والشبهة على من يأتي بعد.(12)
وقال ابن حزم: خشي عثمان ? أن يأتي فاسقٌ يسعى في كيد الدين، أو أن يهِمَ واهمٌ من أهل الخير، فيبدِّل شيئًا من المصحف، فيكون اختلاف يؤدي إلى الضلال، فكتب مصاحف مجمعًا عليها، وبعث إلى كل أفق مصحفًا، لكي -إن وهم واهمٌ، أو بدَّل مبدِّل رُجِع إلى المصحف المجمع عليه، فانكشف الحق، وبطل الكيد والوهم.(13)

(Cool انظر: الإتقان في علوم القرآن (1/171/172)، ومناهل العرفان في علوم القرآن (1/262-263)، والكواكب الدرية ص 26-27.
(9) رواه الترمذي في جامعه كتاب المناقب باب في فضل الشام واليمن (5/734) ح 3954 وقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، والبيهقي في دلائل النبوة (7/147).
(10) يعني في عهد أبي بكر.
(11) دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة (7/147-148).
(12) البرهان في علوم القرآن (1/235-236)، والإتقان في علوم القرآن (1/171).
(13) الفصل في الملل والأهواء والنحل (2/212-213).
avatar
عبد الرحيم علي

عدد الرسائل : 104
العمر : 63
الموقع : irhassat.mountada.biz
تاريخ التسجيل : 11/07/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://irhassat.mountada.biz

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: جمع القرأن الكريم

مُساهمة من طرف عبد الرحيم علي في السبت يوليو 19, 2008 4:01 pm

عدد المصاحف العثمانية

فيما مرَّ علينا في الفصل السابق من نسخ المصاحف في زمن عثمان ?، علمنا أنه ? نسخ عددًا من المصاحف وأرسل بِها إلى الأمصار، وعرفت هذه المصاحف فيما بعدُ بالمصاحف العثمانية، نسبة إلى من أمر بنسخها، وهو الخليفة الراشد عثمان ابن عفّان ?.
وفي هذا الفصل نتناول بالبحث عدد المصاحف التي نسخها عثمان ?، والتعريف بالرسم العثماني، وحكم اتباع ذلك الرسم.
المبحث الأول: عدد المصاحف العثمانية
لَمَّا انتهى زيد بن ثابت ومن معه من نسخ المصاحف، أرسل عثمان ? إلى كل أفقٍ بِمصحف، وأمر الناس بإتلاف ما خالف هذه المصاحف.
عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أنه قال: حَتَّى إِذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ فِي الْمَصَاحِفِ، رَدَّ عُثْمَانُ الصُّحُفَ إِلَى حَفْصَةَ، وَأَرْسَلَ إِلَى كُلِّ أُفُقٍ بِمُصْحَفٍ مِمَّا نَسَخُوا.(1)
قال النووي: خاف عثمان ? وقوع الاختلاف المؤدي إلى ترك شيء من القرآن، أو الزيادة فيه، فنسخ من ذلك المجموع الذي عند حفصة، الذي أجمعت الصحابة عليه مصاحفَ، وبعث بِها إلى البلدان، وأمر بإتلاف ما خالفها، وكان فعله هذا باتفاق منه ومن علي بن أبي طالب، وسائر الصحابة، وغيرهم ?.ـ(2)
ولَمَّا كان الاعتماد في نقل القرآن على المشافهة والتلقِّي من صدور الرجال، ولم تكن المصاحف كافية في نقل القرآن وتعلُّمه، فقد أرسل عثمان ? مع كل مصحف من المصاحف قارئًا يعلِّم الناس على ما يوافق المصحف الذي أرسل به، وكان يتخير لكل قارئٍ المصحف الذي يوافق قراءته في الأكثر.(3)
فقد روي أن عثمان ? أمر زيد بن ثابت أن يقرئ بالمدني، وبعث عبد الله بن السائب مع المكيّ، وبعث المغيرة بن أبي شهاب مع الشاميّ، وأبا عبد الرحمن السلمي مع الكوفيّ، وعامر بن عبد قيسٍ مع البصري.(4)
وقد اختلف العلماء في عدد المصاحف التي بعث بِها عثمان إلى البلدان، فالذي عليه الأكثر أنَّها أربعةٌ، أرسل منها عثمان ? مصحفًا إلى الشام، وآخر إلى الكوفة، وآخر إلى البصرة، وأبقى الرابع بالمدينة.
وقيل كتب خمسة مصاحف، الأربعة المذكورة، وأرسل الخامس إلى مكة.
وقيل ستةٌ، الخمسة المذكورة، وأرسل السادس إلى البحرين.
وقيل سبعة، الستة السابقة، وأرسل السابع إلى اليمن.
وقيل ثَمانية، والثامن هو الذي جمع القرآن فيه أولاً، ثم نسخ منه المصاحف، وهو المسمى بالإمام، وكان يقرأ فيه، وكان في حجره حين قُتِل.(5)
وقيل إنه ? أنفذ مصحفًا إلى مصر.(6)
عن حمزة الزيات قال: كتب عثمان أربعة مصاحف، فبعث بِمصحفٍ منها إلى الكوفة، فوُضِع عند رجل من مُرادٍ، فبقي حتى كتبتُ مصحفي عليه.(7)
وقال أبو حاتم السجستاني: لَمَّا كتب عثمان المصاحف حين جمع القرآن، كتب سبعة مصاحف، فبعث واحدًا إلى مكة، وآخر إلى الشام، وآخر إلى اليمن، وآخر إلى البحرين، وآخر إلى البصرة، وآخر إلى الكوفة، وحبس بالمدينة واحدًا.(Cool
قال الإمام أبو عمرو الداني: أكثر العلماء على أن عثمان ? لَمَّا كتب المصاحف، جعله على أربع نسخ، وبعث إلى كل ناحية من النواحي بواحدةٍ منهن: فوجّه إلى الكوفة إحداهنَّ، وإلى البصرة أخرى، وإلى الشام الثالثة، وأمسك عند نفسه واحدةً، وقد قيل إنه جعله سبع نسخٍ، ووجَّه من ذلك أيضًا نسخةً إلى مكةَ، ونسخة إلى اليمن، ونسخة إلى البحرين، والأول أصحُّ، وعليه الأئمة.(9)
وقال الحافظ ابن حجر والسيوطي: فالْمشهور أنَّها خمسة.(10)
وقال الْجعبري: حبس مصحفًا بالْمدينة للناس، وآخر لنفسه، وسيَّر باقيَها إلى أمرائه.(11)
والْمتعارف عند علماء رسم القرآن ستة مصاحف:
الأول: الْمصحف الإمام، وهو الْمصحف الذي احتبسه عثمان ? لنفسه، وينقل عنه أبو عبيد القاسم بن سلاَّم.
الثاني: الْمصحف الْمدني، وهو الْمصحف الذي كان بأيدي أهل المدينة، وعنه ينقل الإمام نافع.
الثالث: الْمصحف الْمكي.
ويطلق على الإمام والمدني والمكي: الْمصاحف الحجازية، أو الحرمية.(12)
الرابع: الْمصحف الشامي.
الخامس: الْمصحف الكوفي.
السادس: الْمصحف البصري.
والكوفي والبصري عراقيان، وهما الْمرادان بِمصاحف أهل العراق.(13)
ولعل الصواب في ذلك هو الْمتعارف عند علماء القراءات، إذ قد كثر نقلهم عن هذه المصاحف الستة.(14)
قال الحدَّاد:(15) واختلف في عدد الْمصاحف التي كتبها عثمان، فقيل -وهو الذي صوَّبه ابن عاشرٍ في شرح الإعلان: أنَّها ستةٌ: الْمكي والشامي والبصري والكوفي، والْمدني العامُّ، الذي سيَّره عثمان من محلِّ نسْخِه إلى مقرِّه، والْمدني الخاصُّ به، الذي حبسه لنفسه، وهو الْمسمَّى بالإمام.(16)

(1) رواه البخاري في الصحيح كتاب فضائل القرآن باب جمع القرآن (8/626) 4987.
(2) التبيان في آداب حملة القرآن ص 96.
(3) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (1/40).
(4) دليل الحيران شرح مورد الظمآن ص 18-19، والكواكب الدرية ص 24، ومناهل العرفان (1/403-404).
(5) دليل الحيران شرح مورد الظمآن ص 11.
(6) الكواكب الدرية ص 26، ومناهل العرفان (1/403).
(7) رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب ما كتب عثمان ? من المصاحف ص 43.
(Cool رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب ما كتب عثمان ? من المصاحف ص 43، وانظر التبيان في آداب حملة القرآن ص 97.
(9) المقنع في معرفة رسم مصاحف الأمصار ص 19، وانظر: البرهان في علوم القرآن (1/240)، والتبيان في آداب حملة القرآن ص 96-97.
(10) فتح الباري (8/636)، والإتقان في علوم القرآن (1/172).
(11) انظر: الكواكب الدرية ص 2.
(12) نسبة إلى الحرم.
(13) انظر شرح الإعلان بتكملة مورد الظمآن. ص 437.
(14) انظر: إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربع عشر ص 197، ومناهل العرفان (1/403).
(15) هو الشيخ محمد بن علي بن خلف الحسيني، المعروف بالحدَّاد، من فقهاء المالكية بِمصر، ولد بالصعيد سنة 1282 هـ، وتعلم بالأزهر، ثم عيِّن شيخًا للمقارئ المصرية سنة 1323 هـ، وتوفي سنة 1357 هـ. الأعلام (6/304).
(16) الكواكب الدرية ص 26.
avatar
عبد الرحيم علي

عدد الرسائل : 104
العمر : 63
الموقع : irhassat.mountada.biz
تاريخ التسجيل : 11/07/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://irhassat.mountada.biz

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: جمع القرأن الكريم

مُساهمة من طرف عبد الرحيم علي في السبت يوليو 19, 2008 4:02 pm

الرسم العثماني

الرسم في اللغة والاصطلاح
الرسم في اللغة: هو الأَثَرُ، وقيل: بقيَّةُ الأَثَرِ، وقيل: ما ليس له شخصٌ من الآثار.(1)
والرسم في الاصطلاح: قسمان: قياسي وتوقيفيّ.
فالرسم القياسيُّ: هو تصوير الكلمة بِحروف هجائها، على تقدير الابتداء بِها، والوقف عليها.
ولِهذا أثبتوا صورة همزة الوصل؛ لأنَّها ملفوظةٌ عند الابتداء، وحذفوا صورة التنوين؛ لأنه غير ملفوظٍ عند الوقف على أواخر الكلم.
والرسم التوقيفيُّ:(2) هو علمٌ تُعْرَفُ به مخالفاتُ خطِّ المصاحفِ العثمانية لأصول الرسم القياسي.(3)
وهذا الرسم التوقيفي هو الذي يعرف بـ (الرسم العثماني)، نسبة إلى عثمان ابن عفان ?، إذ هو الرسم الْمُدَوَّنُ في المصاحف العثمانية التي سبق الكلام عليها في الْمبحث السابق.
وقد صنَّف العلماء كُتُبًا في معرفة كيفية كتابة الْمصاحف العثمانية، نقلوا فيها صورةً دقيقة لهذه المصاحف، وكانوا ينقلون عن الْمصاحف العثمانية مباشرةً، أو عن الْمصاحف المنقولة عنها في الأمصار، إذ الْمظنون بِمصاحف الأمصار متابعةُ كلِّ واحدٍ منها مصحف مِصْرِهِ العثمانيَّ، وبيَّن هؤلاء الأئمة المرسوم في الْمصاحف العثمانية مِمَّا خالف قواعد الرسم القياسي.
ومن أهم ما صُنِّف في الرسم العثماني:(4)
1. الْمقنع في معرفة رسم مصاحف الأمصار، للإمام أبي عمرو الداني. المتوفى سنة 444 هـ.
2. التنْزيل، للإمام أبي داود سليمان بن نجاح. المتوفى سنة 496 هـ.
3. عقيلة أتراب القصائد في أسنى الْمقاصد، للإمام أبي محمد القاسم بن فِيرّه الشاطبي، صاحب حرز الأماني، المتوفى سنة 590 هـ. وهي نظم لكتاب الْمقنع الْمذكور، ولها شروح كثيرة.
4. مورد الظمآن، للإمام محمد بن إبراهيم الأموي الشهير بالخراز، المتوفى في أوائل القرن الثامن الهجري، وهو نظم بديع مشتمل على جل المسائل المذكورة في الكتب السابقة، وله شروحٌ، منها: دليل الحيران، للشيخ إبراهيم بن أحمد الْمارغني التونسي، المتوفى سنة 1349 هـ.
أوجه الاختلاف بين الرسم العثماني والرسم القياسي
موضوع الرسم التوقيفي (العثماني) -كما يفهم مِمَّا سبق- حروفُ الْمصاحف العثمانية، وقد كان نَسْخ المصاحف في زمن عثمان ? بإشرافه، وبِمحضر من الصحابة ?، وأكثر الرسم العثماني موافق لقواعد الرسم القياسي، وقد خرجت عنها أشياء، وقد دوَّنَها العلماء في الْمصنفات الخاصة بالرسم العثماني.
وأذكر هنا أنواعَ مخالفةِ الرسم العثماني للرسم الإملائي الحديث بإيجازٍ، وهي منحصرة في خمسة أنواع:
1 - الحــذف(5)
ويكون كثيرًا في الألفات والواوات والياءات.
فمن أمثلة حذف الألفات: حذف الألف التي بعد العين في: قوله: } الْعَـلَمِينَ {،(6) والتي بعد الميم من قوله ?: } مَـلِكِ {.(7) ومن أمثلة حذف الواوات: حذف إحدى الواوين من قوله تعالى: } الْغَاوُونَ {،(Cool وقوله: } يَسْتَوُونَ {.(9) ومن أمثلة حذف الياءات: حـذف إحدى الياءين من قوله تعالى: } النَّبِيِّـنَ {،(10) وقوله: } يُحْيِ {.(11) ويوجد الحذف أيضًا في اللام والنون:
فمن أمثلة حذف اللام: حذف إحدى اللامين من ألفاظ مخصوصة، منها ?: الَّـيْل ?.(12) وحذفت النون الثانية من لفظ (ننجي) في قوله تعالى:? وَكَذَ لِكَ نُـْجِي الْمُؤْمِنِينَ ?.(13) 2 - الزيــادة(14)
وقد وردت زيادة الألف والواو والياء في الرسم العثماني:
فمن أمثلة زيادة الألف: زيادة الألف التي بعد الشين في قوله ?: } لِشَايْءٍ {،(15) والتي بعد الجيم من قوله ?: } وَجِايءَ {.(16) ومن أمثلة زيادة الواو: زيادة الواو في قوله ?: } سَأُورِيكُمْ {.(17) ومن أمثلة زيادة الياء: زيادة الياء في قوله تعالى: } بِأَييْدٍ {.(18) 3 - الهمــز(19)
وقد ورد رسم الهمزات في مواضع من الْمصاحف العثمانية على غير الصورة القياسية، فمن ذلك:
تصوير الْهمزة ألفًا كقوله تعالى: } لَتَنُوأُ {.(20) وتصويرها واوًا كقوله ?: } يَبْدَؤُا {،(21) حيث وقع من القرآن الكريم.(22) وتصويرها ياءً كقوله: } وَإِيتَائ {.(23) وعدم تصويرها في نحو قوله تعالى: } الرُّءْ يا {.(24) 4 - البــدل(25)
ويكون في الألف بتصويرها واوًا أو ياءً:
فتصوَّر واوًا في ألفاظ، منها: } الصَّلـَوةَ {،(26) و} الزَّكـَوةَ {،(27) و} كَمِشْكَوةٍ {.(28) وتُصوَّر ياءً في الألف الْمنقلبة عن ياء، مثـل: } يَـأَسَفَى {،(29) و} يَتَوَفَّنـكُمْ {.(30) وتُصوَّر الألف ياءً في بعض ألفات الثلاثيِّ المنقلبة عن واو، مثـل: } وَالضُّحَى {،(31) و} مَا زَكَى {.(32) وتُصوَّر الألف ياءً في كلماتٍ جُهِل أصلها، وهي: (إلى) و(على) و(أنَّى)، و(متى)، و(بلى)، و(حتَّى)، واختُلف في (لدى) فرسمت في غافر بالياء ترجيحًا، ورسمت في يوسف(33) بالألف اتفاقًا.(34) 5 - الفصل والوصل(35)
فرُسمت بعض الكلمات متصلة ببعضها، والقياس أن تكون منفصلة، لكونِها كلماتٍ مستقلة.
ومن أمثلة ذلك:
(عن) مع (ما)، فقد رسمتا متصلتين في مواضع، منها قول الله ?: } سُبْحَـنَ اللهِ وَتَعَـلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ {.(36) (بئس) مع (ما)، فقد رسمتا متصلتين في مواضع، منها: } بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ {.(37) (كي) مع (لا)، فقد رسمتا متصلتين في مواضع، منها: } لِكَيْلاَ تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ {.(38)

(1) لسان العرب (رسم) (3/1646).
(2) يُسَمَّى توقيفيًّا على القول بأن خط المصاحف توقيف من النَّبِيّ ?، ويُطلق عليه البعض الرسم الاصطلاحي، نسبة لاصطلاح الصحابة ?، وسيأتي الخلاف في رسم المصاحف، وهل هو توقيفي أو اصطلاحي، في المبحث الآتي -إن شاء الله تعالى.
(3) انظر دليل الحيران شرح مورد الظمآن ص 40.
(4) انظر دليل الحيران شرح مورد الظمآن ص 25-29.
(5) انظر البرهان في علوم القرآن (1/388-408)، والإتقان في علوم القرآن (4/147-150).
(6) من مواضع هذا اللفظ: سورة الفاتحة 2.
(7) سورة الفاتحة، من الآية 4، انظر دليل الحيران شرح مورد الظمآن ص 46 وما بعدها.
(Cool سورة الشعراء، من الآية 224.
(9) من مواضعه الآية 18 من سورة السجدة، وانظر دليل الحيران شرح مورد الظمآن ص 202-203.
(10) من مواضعه الآية 61 من سورة البقرة.
(11) من مواضعه الآية 258 من سورة البقرة، انظر دليل الحيران شرح مورد الظمآن ص 197-199.
(12) من مواضعه الآية 164 من سورة البقرة، وانظر دليل الحيران شرح مورد الظمآن ص 205-207.
(13) سورة الأنبياء، من الآية 88، وانظر دليل الحيران شرح مورد الظمآن ص 150-151.
(14) انظر البرهان في علوم القرآن (1/381-388)، والإتقان في علوم القرآن (4/151-152).
(15) في سورة الكهف، آية 23.
(16) في سورة الزمر، من الآية 69، وسورة الفجر، آية 23. انظر دليل الحيران شرح مورد الظمآن ص 242،245.
(17) في سورة الأعراف، آية 145، وسورة الأنبياء، آية 37. وفي رسمها خلاف، والعمل على زيادة الواو في الموضعين. انظر دليل الحيران شرح مورد الظمآن ص 259.
(18) في سورة الذاريات، آية 47. انظر دليل الحيران شرح مورد الظمآن ص 256.
(19) انظر الإتقان في علوم القرآن (4/152-153).
(20) من الآية 76 من سورة القصص. والقياس تصويرها واوًا، ثم حذف الواو الثانية لتكررها، فتترك الهمزة بلا صورة، فتوضع رأس العين على السطر هكذا (لتنوء). انظر دليل الحيران شرح مورد الظمآن ص 215.
(21) والقياس فيها أن تكون على ألف هكذا (يبدأ)، ومن مواضع هذا اللفظ الآية 64 من سورة النمل.
(22) انظر دليل الحيران شرح مورد الظمآن ص 222-223.
(23) من الآية 90 من سورة النحل، والقياس ترك الهمزة بلا صورة، فتوضع رأس العين على السطر هكذا (وإيتاء). انظر دليل الحيران شرح مورد الظمآن ص 253.
(24) وهو متعدد، ومن مواضعه الآية 60 من سورة الإسراء، والقياس تصوير الهمزة فيه واوًا هكذا (الرؤيا). انظر دليل الحيران شرح مورد الظمآن ص 221.
(25) انظر البرهان في علوم القرآن (1/409-410)، والإتقان في علوم القرآن (4/154).
(26) من مواضعه الآية 3 من سورة البقرة.
(27) من مواضعه الآية 43 من سورة البقرة.
(28) من الآية 35 من سورة النور. انظر دليل الحيران شرح مورد الظمآن ص 282-283.
(29) من الآية 84 من سورة يوسف ?.
(30) من مواضعه الآية 11 من سورة السجدة. انظر دليل الحيران شرح مورد الظمآن ص 261.
(31) الآية 1 من سورة الضحى.
(32) من الآية 21 من سورة النور. انظر دليل الحيران شرح مورد الظمآن ص 279-281.
(33) في سورة غافر، الآية 18، وفي سورة يوسف ?، الآية 25.
(34) انظر دليل الحيران شرح مورد الظمآن ص 276-278.
(35) انظر البرهان في علوم القرآن (1/417-429)، والإتقان في علوم القرآن (4/155-156).
(36) سورة القصص، آية 68. انظر دليل الحيران شرح مورد الظمآن ص 290.
(37) سورة البقرة، آية 90. انظر دليل الحيران شرح مورد الظمآن ص 300-301.
(38) سورة آل عمران، آية 153. انظر دليل الحيران شرح مورد الظمآن ص 301.
avatar
عبد الرحيم علي

عدد الرسائل : 104
العمر : 63
الموقع : irhassat.mountada.biz
تاريخ التسجيل : 11/07/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://irhassat.mountada.biz

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: جمع القرأن الكريم

مُساهمة من طرف عبد الرحيم علي في السبت يوليو 19, 2008 4:04 pm

حكم اتباع الرسم العثماني

اختلف العلماء هل رسم المصاحف توقيفي من النَّبِيّ ?، أم اجتهادي؟ فأما الذين ذهبوا إلى أن الرسم توقيفيٌّ، فلم يجيزوا مخالفته، وأما القائلون بأنه اجتهاد واصطلاح من الصحابة، فاختلفوا، فمنهم من أوجب اتباع اصطلاحهم، ومنهم من جوَّز مخالفته، وجوز كتابة القرآن على غيره، ومنهم من أوجب كتابةالمصاحف على الرسم القياسي منعًا للَّبْس.
فتلخص أن العلماء في الرسم العثماني على مذهبين: مذهب يوجب اتباعه (سواء من قال بالتوقيف ومن قال بأنه اصطلاح واجب الاتباع)، ومذهب يرى جواز رسم المصاحف على غير الرسم العثماني، وبعضهم يوجب ذلك.
المذهب الأول: أن رسم القرآن توقيفي، فلا تجوز مخالفته، ولا تجوز كتابة المصحف إلا على الكتبة الأولى، وهو مذهب الجمهور.
واستدلوا على ذلك بأدلة، منها:
1. إقرار النَّبِيّ ? هذه الكتبة، فقد كان للنَّبِيّ ? كُتَّاب يكتبون الوحي، وقد كتبوا القرآن على هذا الرسم بين يديه ?، وأقرهم على تلك الكتابة، ومضى عهده ? والقرآن على هذه الكتبة، لم يحدث فيه تغيير ولا تبديل.
2. ما ورد من أن النَّبِيّ ? كان يوقف كُتَّابه على قواعد رسم القرآن، ويوجههم في رسم القرآن وكتابته.
أ- فعن معاوية أنه كان يكتب بين يدي النَّبِيّ ?، فقال له: أَلِق الدواةَ،(1) وحرِّف القلمَ، وأقِم الباء، وفرِّق السينَ، ولا تعوِّر الميم، وحسِّن (الله)، ومدّ (الرحمن)، وجوِّد (الرحيم).(2)
ب- وعن أنس ? أن النَّبِيّ ? قال: إذا كتب أحدكم (بسم الله الرحمن الرحيم)، فليمدَّ الرحمن.(3)
3. إجماع الصحابة على ما رسمه عثمان في المصاحف، وعلى منع ما سواه.
4. إجماع الأمة المعصوم من الخطأ بعد ذلك في عهد التابعين والأئمة المجتهدين على تلقِّي ما نُقِل في المصاحف العثمانية التي أرسلها إلى الأمصار بالقبول، وعلى ترك ما سوى ذلك.(4)
فهذا إجماعٌ من الأمة على ما تضمنته هذه المصاحف، وعلى ترك ما خالفها من زيادة ونقص، وإبدال كلمةٍ بأخرى، أو حرف بآخر.
ولذلك جعل الأئمة موافقة الرسم العثماني ولو احتمالاً شرطًا لقبول القراءة، فقالوا: كل قراءة ساعدها خط المصحف، مع صحة النقل، ومجيئها على الفصيح من لغة العرب، فهي المعتبرة.(5)
ومِمَّن حكى إجماع الأمة على ما كتب عثمان ? الإمام أبو عمرو الداني، وروى بإسناده عن مصعب بن سعد قال: أدركت الناس حين شقَّق عثمان ? المصاحف، فأعجبهم ذلك، أو قال: لم يعِبْ ذلك أحدٌ.(6)
وقال القاضي عياض: أجمع المسلمون على أن من نقص حرفًا قاصدًا لذلك، أو بدله بحرفٍ مكانه، أو زاد فيه حرفًا مِمَّا لم يشتمل عليه المصحف الذي وقع عليه الإجماع، وأُجمع على أنه ليس من القرآن -عامدًا لكل هذا، فهو كافر.(7)
قال البيهقي: مَن كَتَب مصحفًا، فينبغي أن يحافظ على الهجاء التي كتبوا بِها تلك المصاحف، ولا يخالفهم فيها، ولا يغير مِمَّا كتبوه شيئًا؛ فإنَّهم كانوا أكثرَ علمًا، وأصدقَ قلبًا ولسانًا، وأعظمَ أمانةً منَّا، فلا ينبغي لنا أن نظن بأنفسنا استدراكًا عليهم، ولا تسَـقُّطًا لَهم.(Cool
وعن زيد بن ثابت قال: القراءة سنةٌ، قال سليمان بن داود الهاشمي: يعني ألا تخالف الناس برأيك في الاتباع.(9)
قال البيهقي: إنما أراد -والله أعلم- أن اتباع مَن قبلنا في الحروف وفي القراءات سنةٌ متبعةٌ، ولا يجوز مخالفة المصحف الذي هو إمامٌ، ولا مخالفة القراءة التي هي مشهورةٌ، وإن كان غيرُ ذلك سائغًا في اللغة، أو أظهرَ منها.(10)
وقال أيضًا: وبِمعناه بلغني عن أبي عبيد في تفسير ذلك، قال: وترى القرَّاء لم يلتفتوا إلى مذاهب العربية في القراءة، إذا خالف ذلك خطَّ المصحف، وزاد: واتِّباعُ حروف المصاحف عندهم كالسنن القائمة التي لا يجوز لأحدٍ أن يتعدَّاها.(11)
ونقل أحمد بن المبارك(12) عن شيخه عبد العزيز الدباغ(13) أنه قال: ما للصحابة ولا لغيرهم في رسم القرآن ولا شعرةٌ واحدةٌ، وإنما هو توقيفٌ من النَّبِيّ ?، وهو الذي أمرهم أن يكتبوه على الهيئة المعروفة، بزيادة الألف ونقصانِها، لأسرارٍ لا تَهتدي إليها العقول،… وهو سرٌّ من أسراره خص الله به كتابه العزيز دون سائر الكتب السماوية،… وكما أن نظم القرآن معجزٌ، فرسمه أيضًا معجزٌ.(14)
قال ابن درستويه: خطان لا يُقاس عليهما: خط المصحف، وخط تقطيع العروض… ووجدنا كتاب الله -جلَّ ذكره- لا يُقاس هجاؤه، ولا يُخالَف خطُّه، ولكنه يُتَلقَّى بالقبول على ما أُودع المصحفَ.(15)
والقول بعدم جواز كتابة المصحف على غير الرسم العثماني هو قول أهل المذاهب الفقهية الأربعة.
قال العلامة محمد بن العاقب الشنقيطي:(16)
رسمُ الكِتابِ سنَّـةٌ متَّبـعهْ كما نحَا أهلُ المناحي الأربعهْ وقد نقل الإمام الجعبري، وغيره إجماع الأئمة الأربعة على وجوب اتِّباع رسم المصحف العثماني.(17)
وفيما يأتي أقوال بعض فقهاء المذاهب الأربعة في هذه المسألة:
- الأحناف:
قال في المحيط البرهاني: إنه ينبغي ألا يكتب المصحف بغير الرسم العثماني.(18)
- المالكية:
سئل مالك رحمه الله: هل يكتب المصحف على ما أحدثه الناس من الهجاء؟ فقال: لا، إلا على الكتبة الأولى.(19)
قال السخاوي: والذي ذهب إليه مالكٌ هو الحقُّ، إذ فيه بقاء الحالة الأولى، إلى أن تعلمها الطبقة الأخرى، ولا شك أن هذا هو الأَحرى بعد الأُخرى، إذ في خلاف ذلك تجهيل الناس بأولية ما في الطبقة الأولى.(20)
قال أبو عمرو الداني: ولا مُخالف لِمالكٍ من علماء الأمة في ذلك.(21)
وقال أبو عمرو الداني أيضًا: سئل مالك عن الحروف تكون في القرآن مثل الواو والألف، أترى أن تُغَيَّر من المصحف إذا وُجدت فيه كذلك؟ قال: لا.(22)
قال أبو عمرو: يعني الواو والألف الزائدتين في الرسم، المعدومتين في اللفظ، نحو الـواو في: } أولئك {، و} أولات {، و} الربوا {، ونحو الألف في: } لن ندعوَا { و} لأَاوْضَعُوا {.(23)
- الشافعية:
قال الشيخ سليمان الجمل: (الربا) تكتب بِهما، أي: الواو والألف معًا، فتكتب الواو أولاً في الباء، والألف بعدها، وهذه طريقة المصحف العثماني، وقوله: "وبالياء"، أي: في غير القرآن؛ لأن رسمه سنةٌ متبعة.(24)
- الحنابلة:
قال الإمام أحمد بن حنبل: يحرم مخالفة مصحف الإمام في واوٍ أو ألفٍ أو ياء، أو غير ذلك.(25)
المذهب الثاني: أن رسم المصاحف اصطلاحي لا توقيفي، وعليه فتجوز مخالفته.
ومِمَّن جنح إلى هذا الرأي وأيده ابن خلدون في مقدمته، والقاضي أبو بكر في الانتصار، وشيخ الإسلام ابن تيمية.(26)
واستدل القائلون بِهذا الرأي بأدلة منها:
1. أن الرسوم والخطوط ما هي إلا علامات وأمارات، فكل رسمٍ يدل على الكلمة، ويفيد وجه قراءتِها، فهو رسم صحيح.
2. أن كتابة المصحف على الرسم العثماني قد توقع الناس في الحيرة والخطأ، والمشقة والحرج، ولا تمكنهم من القراءة الصحيحة السليمة.
3. أنه ليس في الكتاب العزيز، ولا السنة المطهرة، ولا في إجماع الأمة، ولا في قياس شرعي - ما يدل على وجوب كتابة المصحف برسم معين، وكيفية مخصوصة، ولَم يروَ عن الرَّسُول ? أنه أمر أحدًا من كتاب الوحي حين كتابة الآيات القرآنية أن يكتبها برسم خاصٍّ، ولا نَهى أحدًا أن يكتبها بِهيئة معينة.
قال ابن خلدون: فكان الخط العربي لأول الإسلام غير بالغٍ إلى الغاية من الإحكام والإتقان والإجادة، ولا إلى التوسُّط، لمكان العرب من البداوة والتوحُّش، وبُعْدِهم عن الصنائع، وانظر ما وقع من أجل ذلك في رسمهم المصحف، حيث رسمه الصحابة بخطوطهم، وكانت غير مستحكمة في الإجادة، فخالف الكثيرُ من رسومهم ما اقتضته رسوم صناعة الخط عند أهلها، ثم اقتفى التابعون من السلف رسمهم فيها تبرُّكًا بما رسمه أصحاب الرَّسُول ?، وخير الخلق من بعده، المتلقون لوحيه من كتاب الله تعالى وكلامه، كما يُقتَفى لهذا العهد خطُّ وليٍّ أو عالمٍ تبرُّكًا، ويُتَّبع رسمه خطأً أو صوابًا، وأين نسبة ذلك من الصحابة فيما كتبوه؟ فاتُّبع ذلك، وأُثْبِت رسمًا، ونبَّه العلماء بالرسم إلى مواضعه.
قال: ولا تلتفتنَّ في ذلك إلى ما يزعمه بعض المغفلين من أنَّهم كانوا محكمين لصناعة الخط، وأن ما يُتخيَّل من مخالفة خطوطهم لأصول الرسم ليس كما يُتخيَّل، بل لكل وجه، يقولون في زيادة الألف في } لاأذبحنَّه { إنه تنبيهٌ على أن الذبح لم يقع، وفي مثل زيادة الياء } بأييد { إنه تنبيهٌ على كمال القدرة الربانية، وأمثال ذلك مِمَّا لا أصل له إلا التحكم المحض، وما حملهم على ذلك إلا اعتقادهم أن في ذلك تنزيهًا للصحابة عن توهم النقص في قلة إجادة الخط، وحسبوا أن الخط كمالٌ فنزهوهم عن نقصه، ونسبوا إليهم الكمال بإجادته، وطلبوا تعليل ما خالف الإجادة من رسمه، وليس ذلك بصحيح. اهـ.(27)
وقال القاضي أبو بكر: وأما الكتابة، فلم يفرض الله على الأمة فيها شيئًا، إذ لم يأخذ على كتَّاب القرآن وخطَّاط المصاحف رسمًا بعينه دون غيره، أوجبه عليهم وترك ما عداه، إذ وجوب ذلك لا يُدْرَك إلا بالسمع والتوقيف، وليس في نصوص الكتاب ولا مفهومه أن رسم القرآن وضبطه لا يجوز إلا على وجه مخصوص، وحد محدود لا يجوز تجاوزه، ولا في نص السنة ما يوجب ذلك ويدل عليه، ولا في إجماع الأمة ما يوجب ذلك، ولا دلت عليه القياسات الشرعية.
بل السنة دلت على جواز رسمه بأي وجه سهُل، لأن رَسُول اللهِ ? كان يأمر برسمه، ولم يبين لهم وجهًا معينًا، ولا نَهى أحدًا عن كتابته، ولذلك اختلفت خطوط المصاحف، فمنهم من كان يكتب الكلمة على مخرج اللفظ، ومنهم من كان يزيد وينقص لعلمه بأن ذلك اصطلاحٌ، وأن الناس لا يخفى عليهم الحال، ولأجل هذا بعينه جاز أن يكتب بالحروف الكوفية والخط الأول، وأن يجعل اللام على صورة الكاف، وأن تعوج الألفات، وأن يكتب على غير هذه الوجوه، وجاز أن يكتب المصحف بالخط والهجاء القديمين، وجاز أن يكتب بالخطوط والهجاء المحدثة، وجاز أن يكتب بين ذلك. اهـ.(28)
بل ذهب عز الدين بن عبد السلام(29) إلى تحريم الكتابة على الرسم العثماني الأول، ووجوب كتابة القرآن على الاصطلاحات المعروفة عند عامة الناس.
قال الزركشي بعد ذكر قول الإمام أحمد في تحريم مخالفة مصحف عثمان: وكان هذا في الصدر الأول، والعلم غضٌّ حيٌّ، وأما الآن، فقد يخشى الإلباس، ولهذا قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: لا تجوز كتابة المصحف الآن على الرسوم الأولى باصطلاح الأئمة؛ لئلا يوقع في تغيير الجهال.(30)
قال البنا الدمياطي: وهذا كما قال بعضهم: لا ينبغي إجراؤه على إطلاقه؛ لئلا يؤدي إلى درس العلم، ولا يترك شيء قد أحكمه السلف مراعاة لجهل الجاهلين، لا سيما، وهو أحد الأركان التي عليها مدار القراءات.(31)

(1) ألاق الدواة فلاقت: لزق المداد بصوفها. لسان العرب (ليق) (5/4115).
(2) ذكره القاضي عياضٌ في الشفا بتعريف حقوق المصطفى (1/357-358)، والحافظ في فتح الباري (7/575).
(3) رواه الديلمي في مسنده، انظر فردوس الأخبار (1/364) ح 1174.
(4) الكواكب الدرية ص 34.
(5) الكواكب الدرية ص 34.
(6) رواه الداني في المقنع في معرفة مرسوم مصاحف الأمصار ص 18، ورواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب اتفاق الناس مع عثمان على جمع المصاحف، ص 19، ولفظه: ولم ينكر ذلك منهم أحدٌ.
(7) الشفا بتعريق حقوق المصطفى (2/647).
(Cool الجامع لشعب الإيمان (5/600).
(9) رواه البيهقي في الجامع لشعب الإيمان (5/600)، وفي السنن الكبرى (2/385)، والحاكم في المستدرك (2/224)، وصححه ووافقه الذهبي.
(10) السنن الكبرى للبيهقي (2/385).
(11) الجامع لشعب الإيمان (5/601)، وانظر البرهان في علوم القرآن (1/380).
(12) أحمد بن المبارك السَّلْجِماسي اللَّمَطِي، فقيه مالكي، عارف بالحديث، ولد في سَلْجِماسة سنة 1090 هـ، 1679م ونشأ فيها، ثم انتقل إلى فاس، فقرأ وأقرأ، حتى صرَّح لنفسه بالاجتهاد المطلق، وتوفي بفاس سنة 1156 هـ، 1743م. الأعلام (1/201-202).
(13) عبد العزيز بن مسعود الدباغ الإدريسي الحسني، متصوفٌ من الأشراف الحسنيين، ولد بفاس سنة 1095 هـ، 1684م، كان أميًّا لا يقرأ ولا يكتب، ولأتباعه مبالغة في الثناء عليه، ونقل الخوارق عنه، توفي بفاس سنة 1132 هـ، 1720م. الأعلام (4/28).
(14) أحمد بن المبارك السلجماسي في كتابه: الإبريز من كلام سيدي عبد العزيز ص 101.
(15) البرهان في علوم القرآن (1/376)، نقلاً عن الكتاب لابن درستويه ص 7.
(16) انظر التقرير العلمي عن مصحف المدينة النبوية للدكتور عبد العزيز بن عبد الفتاح القارئ ص 27.
(17) بحث في المصاحف العثمانية للدكتور محمود سيبويه البدوي، مجلة كلية القرآن الكريم بالمدينة المنورة، العدد الأول ص 345، نقلاً عن خميلة أرباب المقاصد شرح عقيلة أتراب القصائد للإمام الجعبري.
(18) مناهل العرفان (1/379).
(19) المقنع في معرفة رسم مصاحف الأمصار ص 19، وإتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربع عشر ص 9.
avatar
عبد الرحيم علي

عدد الرسائل : 104
العمر : 63
الموقع : irhassat.mountada.biz
تاريخ التسجيل : 11/07/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://irhassat.mountada.biz

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: جمع القرأن الكريم

مُساهمة من طرف عبد الرحيم علي في السبت يوليو 19, 2008 4:04 pm

20) مناهل العرفان (1/379).
(21) المقنع في معرفة رسم مصاحف الأمصار ص 19.
(22) المقنع في معرفة رسم مصاحف الأمصار ص 36، والبرهان في علوم القرآن (1/379)، ومناهل العرفان (1/379).
(23) المقنع في معرفة رسم مصاحف الأمصار ص 36، والبرهان في علوم القرآن (1/379)، ومناهل العرفان (1/379)، وقد اختلفت المصاحف في هذه الكلمة، ففي بعضها بألف بعد الهمزة، وفي بعضها بغير ألف، والعمل على إسقاط الألف. انظر دليل الحيران شرح مورد الظمآن ص 245.
(24) حاشية الجمل على شرح المنهج، للشيخ سليمان الجمل (3/44).
(25) البرهان في علوم القرآن (1/379)، و الإتقان (4/146).
(26) نكت الانتصار لنقل القرآن ص 129، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (13/420-421).
(27) مقدمة ابن خلدون (مقدمة تاريخ بن خلدون) ص 419.
(28) نكت الانتصار لنقل القرآن ص 129، وانظر: الإبريز ص 99-101، ومناهل العرفان (1/380-381).
(29) هو الإمام العلامة، وحيد عصره، سلطان العلماء، أبو محمد عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام، برع في الفقه والأصول والعربية والتفسير والحديث، رحـل إليه الطلبة من سـائر البلدان، هذا مع الزهد والورع والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. توفي سنة 660?. شذرات الذهب (3/301).
(30) البرهان في علوم القرآن (1/379)، وإتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربع عشر ص 9.
(31) إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربع عشر ص 9-10.

تابع : حكم اتباع الرسم العثماني
الرأي الراجح
والرأي الذي تطمئن إليه النفس هو رأي الجمهور الذين ذهبوا إلى أن خط المصاحف توقيف، ولا تجوز مخالفته.
ويترجح هذا الرأي بإجماع الصحابة ومن بعدهم على كتابة المصاحف على هذه الهيئة المعلومة، وعلى رفض ما سواها، فلا يُعتبَر بعد إجماع أهل القرون الأولى خلاف من خالف بعد ذلك، ولا يجوز خرق إجماعهم؛ لأن الإجماع لا يُنْسَخُ.
ويؤيد ذلك أن الرسم الإملائي اصطلاح، والاصطلاح قد يتغير مع تغير الزمان، كما أن قواعد الإملاء تختلف فيها وجهات النظر، فيؤدي ذلك إلى التحريف والتبديل في كلام الله ?.
فلو أن أهل كل زمانٍ اصطلحوا في كتابة المصاحف على اصطلاح يناسب ما يألفونه من قواعد الإملاء، ثم أتى جيلٌ بعدهم فاصطلح على اصطلاح آخر يناسب ما استجدَّ من القواعد، وانقطعت صلة الأجيال المتتابعة بالمصاحف التي كتبها الصحابة، لو حدث ذلك لوصلنا خلال عقود قليلة إلى نصٍّ مشوَّهٍ من القرآن، وحينئذ لن يستطيع الناس تَمييز القراءة الصحيحة من غيرها، ويؤدي ذلك إلى تحريف كتاب الله، ويحصل الشكُّ في جميعه.
فهذا الرسم العثماني هو أقوى ضمان لصيانة القرآن من التغيير والتبديل.(1)
ومِمَّا يؤيد كون خط المصاحف توقيف: أن الصحابة ? كتبوا الكلمة الواحدة في بعض المواضع بِهيئة، وفي مواضع أخرى بهيئة أخرى، ولا يظن بعاقلٍ -فضلاً عن الصحابة العلماء النبلاء- أن يسمع الكلمة الواحدة فيكتبها مرة بهيئة ومرة بأخرى إلا أن يكون لذلك علة، ولا علةَ هنا إلا التوقيف.
فقد رسم الصحابة (سعوا) في سورة الحج بزيادة الألف، ولم يزيدوا الألف من نفس اللفظ في سورة سبأ، فرسموها هكذا: (سعو).
وكذلك فعلوا في (عتَوْا) حيث كان فقد رسموه بزيادة الألف، ما عدا موضع الفرقان، فرسموه (عتو) هكذا دون ألف.
وزادوا الألف بعد الواو في قوله ?: (يعفوا الذي) في سورة البقرة، ولم يزيدوها في قوله تعالى: (يعفو عنهم) في سورة النساء.
وكذلك حذفوا بعض أحرف من كلمات متشابِهة دون بعضٍ، كحذف الألف من (قرء نا) بيوسف والزخرف، وإثباتِها في سائر المواضع.
وحذفوا الألف من (سموت) و(السموت) حيث وقع في القرآن، وأثبتوا الألف التي بعد واو (سموات) في فصلت فقط.
وأثبتوا الألف من (الميعاد) مطلقًا، وحذفوها من الموضع الذي في الأنفال.
وأثبتوا الألف في (سراجًا) حيثما وقع، وحذفوه من موضع الفرقان.
وزادوا الألف بعد واو الجماعة في الأفعال حيث وقع في القرآن كقوله: (آمنوا)، واستثنوا من ذلك: (باءو)، (جاءو)، (تبوءو)، (فاءو).
وزادوا الألف في (مائة) دون (فئة)، وزادوا الواو في (سأوريكم) في سورتي الأعراف والأنبياء، وزادوا الياء في (بأييدٍ)، و(بأييكم)، ولا فرق بين هذه الكلمات وغيرها مِمَّا لم يزيدوا فيه الألف أو الواو أو الياء.
فادعاء أن الصحابة اصطلحوا على هذا الرسم اتِّهامٌ لَهم بِمخالفة النَّبِيّ ?، ووصمٌ بالجهل والتفريق بين المتماثلات، وهذا مِمَّا لا يظن بآحاد العقلاء -فضلاً عن صحابة خاتم الأنبياء ?.
قال الدباغ: وأما قول من قال: إن الصحابة اصطلحوا على أمر الرسم المذكور، فلا يخفى ما فيه من البطلان؛ لأن القرآن كُتِب في زمان النَّبِيّ ?، وبين يديه، وحينئذ فلا يخلو ما اصطلح عليه الصحابة، إما أن يكون هو عين الهيئة التي كُتِبَت بين يدي النَّبِيّ ? أو غيرها، فإن كانت عينها بطل الاصطلاح؛ لأن أسبقية النَّبِيّ ? تنافي ذلك، وتوجب الاتباع.
وإن كان غير ذلك، فكيف يكون النَّبِيّ ? كتب على هيئة، كهيئة الرسم القياسي مثلاً، والصحابة خالفوا وكتبوا على هيئة أخرى؟
فلا يصحُّ ذلك لوجهين:
أحدهما: نسبة الصحابة إلى المخالفة، وذلك مُحالٌ.
ثانيهما: أن سائر الأمة من الصحابة وغيرهم أجمعوا على أنه لا يجوز زيادة حرف في القرآن، ولا نقصان حرفٍ منه، وما بين الدفتين كلام الله ?، فإذا كان النَّبِيّ ? أثبت ألف (الرحمن) و(العالمين) مثلاً، ولم يزد الألف في (مائة)، ولا في (لأاوضعوا)، ولا الياء في (بأييدٍ) ونحو ذلك، والصحابة عاكسوه في ذلك وخالفوه، لزم أنهم -وحاشاهم من ذلك- تصرفوا في القرآن بالزيادة والنقصان، ووقعوا فيما أجمعوا هم وغيرهم على ما لا يحلُّ لأحدٍ فعلهُ، ولزم تطرُّق الشكِّ إلى جميع ما بين الدفتين؛ لأنا مهما جوزنا أن تكون فيه حروف ناقصة أو زائدة على ما في علم النَّبِيّ ?، وعلى ما عنده، وأنها ليست بوحيٍ، ولا من عند الله، ولا نعلمها بعينها -شككنا في الجميع.
ولئن جوزنا لصحابيٍ أن يزيد في كتابته حرفًا ليس بوحيٍ، لزمنا أن نجوز لصحابي آخر نقصان حرف من الوحي؛ إذ لا فرق بينهما، وحينئذٍ تنحل عروة الإسلام بالكلية.(2)
وأما دعوى ابن خلدون -رحمه الله- أن الصحابة ? لم يكونوا يحكمون الخط، فمبنيٌّ على آثار غير ثابتة أن أهل مكة إنَّما تعلموا الخط من أهل الحيرة، وأن ذلك كان قبيل بعثة النَّبِيّ ?، ولا يثبت ذلك من حيث السند.(3)
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن الخط توقيفيٌّ،(4) وعليه فلم يكن العرب حديثي عهدٍ بالخط زمن بعثة النَّبِيّ ?، وبِهذا يتبين عدم ثبوت ما ادعاه العلامة ابن خلدون.
قال ابن فارس: الذي نقوله فيه: إن الخطَّ توقيفٌ، وذلك لظاهر قوله ?: } اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ ! الَّذِي علَّم بالقَلَمِ ! علَّم الإنسانَ ما لَم يعلم {،(5) وقال -جلَّ ثناؤه: } ن والقلم وما يسطرون {،(6) وإذا كان كذا، فليس ببعيدٍ أن يوقف آدم ?، أو غيره من الأنبياء -عليهم السلام- على الكتاب.(7)
وذهب بعضٌ آخر إلى أن الكتاب العربي وضع زمن إسماعيل ? ‎، فقد أخرج ابن أشتة في كتاب المصاحف من طريق عكرمة عن ابن عباس، قال: أول من وضع الكتاب العربي إسماعيل.(Cool
كما أن دعواه اضطرابَ الصحابة في كتابة المصاحف، ومخالفتهم ما اقتضته صناعة الخط بغير مسوغٍ، فهي اتِّهام لهم بالبلادة وعدم الفهم، كما أسلفنا.
ودعواه -رحمه الله- أن السلف من التابعين ومن بعدهم إنَّما اقتفوا أثر الصحابة في كتابة المصاحف لِمجرد التبرك اتِّهامٌ للأمة جميعها بالتقليد الأعمى، وعدم النظر لِما يصلح دينها.
ومن الواضح البيِّن عدم إصابته -رحمه الله- في ادعاء أن عدم إجادة الخط ليس نقصًا، كيف ذلك، والعقلاء متفقون على أن الأمية نقصٌ يتنَزه عنه عوام الناس، فضلاً عن علمائهم.
وإنَّما لم تكن الأمية نقصًا في حق نبينا ? لِما أنَّها كانت آية صدقه، إذ مع كونه أميًّا، كان قد حاز من العلوم ما لم يصل إليه غيره من البشر، فكان النقص في حق غيره علامة كمالٍ في حقه ?،ـ(9) وتبقى الأمية في حق بقية البشر نقصًا يتنَزه عنه عقلاؤهم.
قال العلامة المارغني معرِّضًا بابن خلدون في رأيه هذا: وقد بلغ التهوُّر ببعض المؤرخين إلى أن قال في مرسوم الصحابة ما لا يليق بعظيم علمهم الراسخ، وشريف مقامهم الباذخ، فإياك أن تغترَّ به.(10)
وأما كلام القاضي الباقلاني فيناقش أيضًا بأن أدلة الجمهور القائلين بوجوب اتباع الرسم العثماني بعضها من السنة، وبعضها من إجماع الصحابة، وهذا يردُّ دعواه عدمَ الدليل على وجوب اتباع رسم المصاحف العثمانية.
وأما قوله: "ولذلك اختلفت خطوط المصاحف … الخ" فغير مسلَّمٍ، لأن الإجماع قد انعقد، وعلم الناس الرسم التوقيفي، كما أن ما ذكره من صور اختلاف الخطوط لا يعدو التغير في صورة الحرف، لا في رسم نفس الكلمة بزيادة حرف، أو نقصان حرف.
ومِمَّا يؤيد الرأي القائل بالتوقيف العلاقة الواضحة بين هذا الرسم العثماني، وبين القراءات القرآنية المتواترة، يدرك هذا من كان له أدنى معرفة بعلم القراءات، إذ يلاحظ بوضوح أن الصحابة ? عندما خالفوا القياس في الخط، إنَّما كان ذلك لِمقاصد تتعلق بِما ثبتت روايته عن النَّبِيّ ? من أوجه القراءة في العرضة الأخيرة، فكتبوا في الفاتحة: } ملك يوم الدين {،(11) دون ألف في (ملك) لتحتمل الوجهين من القراءة بالألف (مالِكِ)، وبدونِها (مَلِكِ).
ومن أمثلة ذلك أيضًا كتابتهم قوله تعالى: } إِنْ هَذَانِ لَسَحِرَانِ {،(12) دون الألفات، ودون النقط والشكل هكذا (ان هـدن لسحرن) فاحتملت جميع أوجه القراءة فيها:
1. فقد قرأ أبو عمرو: } إِنَّ هَـذَينِ لَسَحِرَانِ { بتشديد نون (إن)، وبالياء في (هذين)، وتخفيف النون فيها.
2. وقرأ ابن كثير: } إِنْ هـذَانِّ لَسَحِرَانِ { بتخفيف نون (إنْ)، وبالألف في (هذان)، وتشديد النون منها.
3. وقرأ حفصٌ: } إِنْ هَـذَانِ لَسَحِرَانِ { بتخفيف نون (إنْ)، وبالألف في (هذان)، وتخفيف النون منها.
4. وقرأ بقية القراء العشرة } إِنَّ هَـذَانِ لَسَحِرَانِ { بتشديد نون (إنَّ)، وبالألف في (هذان)، وتخفيف النون منها.(13)
فهل يُعَدُّ مثل هذا الرسم مُخالفًا لقياس أهل صناعة الخط؟!
وكذلك كتابتهم تاء التأنيث بالتاء المفتوحة في بعض المواضع نحو (امرأت)، و(رحمت)، و(نعمت)، فيقف عليها جمهور القراء بالتاء، ولو كتبت بالهاء المربوطة، لَتَغَيَّرَ حكمُ الوقف عليها.(14)
قال السيوطي: أجمعوا على لزوم اتباع رسم المصاحف العثمانية في الوقف إبدالاً وإثباتًا وحذفًا، ووصلاً وقطعًا، إلا أنه ورد عنهم اختلافٌ في أشياء بأعيانِها، كالوقف بالهاء على ما كتب بالتاء، وبإلحاق الهاء فيما تقدم وغيره، وبإثبات الياء في مواضع لم تُرسَم بِها … ثم قال: ومن القراء من يتبع الرسم في الجميع.(15)
قال الزركشي: ومن الدليل على عرفان القدماء من الصحابة وغيرهم ذلك - كتابتهم المصحف على الذي يعلله النحويون في ذوات الواو والياء، والهمز والمد والقصر، فكتبوا ذوات الياء بالياء، وذوات الواو بالواو، ولم يصوروا الهمزة إذا كان ما قبلها ساكنًا، نحو: } الْخَبْءَ { و} دِفْءٌ {، فصار ذلك كله حجةً.(16)
كما أنه قد يُعترَض على القول بالتوقيف باعتراضين:
أحدهما: كيف كان للنَّبِيّ ? أن يوقف الصحابة على ما يكتب في المصاحف مع كونه أميًّا؟
ويجاب عن ذلك بأن الأمية لم تكن عيبًا فيه ?، وقد كان من الذكاء والفطنة بحيث يستطيع أن يوجههم إلى مثل ذلك.
فقد كان النَّبِيّ ? مع أميته يعرف أسماء الحروف، وهذا مِمَّا يَجهله الأمي.
فعن عَبْد اللهِ بْن مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ?: مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لاَ أَقُولُ (الم) حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلاَمٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ.(17)
على أنه قد صح الخبر بِما يدل دلالة قوية على أنه ? قد علم الخط والكتاب بعدما بُعِثَ.
فَعَنِ الْبَرَاءِ ? في خبر صلح الحديبية قَالَ: فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ ? الْكِتَابَ، وَلَيْسَ يُحْسِنُ يَكْتُبُ، فَكَتَبَ: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ… الحديث.(18)
قال القاضي عياض: وقوله في الرواية التي ذكرناها: "ولا يحسن أن يكتب، فكتب" كالنصِّ أنه كتب بنفسه، قال: والعدول إلى غيره مجازٌ، ولا ضرورةَ إليه.(19)
فلا يَبْعُدُ مع هذا أن يكون من النَّبِيّ ? التوقيف على ما يُكتب من الحروف وما لا يكتب عند كتابة القرآن بين يديه ?.
وأما الاعتراض الثاني، فهو: أن يقال: إن كان الرسم توقيفيًّا بوحيٍ إلى النَّبِيّ ?، فَلِمَ لم يُنقل تواترًا كما نقلت ألفاظ القرآن، حتى ترتفع عنه الريبة، وتطمئن به القلوب؟
والجواب عن هذا أن رسم المصاحف قد نقل ألفاظًا ورسمًا على الوجه الذي تقوم به الحجة، يدرك ذلك أهل العلم، الذين حفظوا ألفاظه ورسمه، ولم يضيعوا منها شيئًا.
ولا يقدح في ذلك اختلاف علماء الرسم بعض الحروف، إذ إن عثمان ? قد كتب عددًا من المصاحف، وقد كان بينها بعض الاختلاف لتحتمل ما ثبت من أوجه القراءة، ولا يَضُرُّ جهل مَن جهل دقة هذا النقل، كما لا يَضُرُّ جهل العوامِّ بالقرآن وعدم حفظهم لألفاظه.(20)
وفي ختام هذه المسألة أنوِّه على أنه ليس هناك صعوبة تذكر على قارئ القرآن الكريم، بعد ما أضيف إلى صورة الرسم من رموز النقط والشكل، التي أوضحت مشكله، وأعانت على سلامة النطق به.
وقد مرت القرون على المسلمين، وهم يكتبون المصاحف على ما رسم الصحابة ?، ولم يؤدِّ ذلك إلى خطأ في تلاوة القرآن، أو وقوع تحريف، فلله الحمد والمنَّة.

(1) انظر مباحث في علوم القرآن لمناع القطان ص 149.
(2) الإبريز لأحمد بن المبارك السلجماسي ص 101-103.
(3) انظر الآثار الواردة في ذلك في كتاب المصاحف لابن أبي داود باب خطوط المصاحف ص 9-10.
(4) المقصود بِهذا القول جميع الخطوط، أي خطوط المصاحف وغيرها مِمَّا يكتبه البشر.
(5) سورة العلق، الآيات 3-5.
(6) سورة القلم آية 1.
(7) الصاحبي في فقه اللغة، لابن فارس ص 39.
(Cool انظر الإتقان في علوم القرآن (1/145).
(9) انظر تفسير أبي السعود (3/279).
(10) دليل الحيران شرح مورد الظمآن ص 42.
(11) سورة الفاتحة الآية 4.
(12) سورة طه من الآية 63.
(13) انظر النشر في القراءات العشر (2/320-321).
(14) انظر التقرير العلمي عن مصحف المدينة النبوية ص 27-29.
(15) الإتقان في علوم القرآن (1/250-251).
(16) البرهان في علوم القرآن (1/378).
(17) رواه الترمذي في جامعه، كتاب فضائل القرآن بَاب مَا جَاءَ فِيمَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنَ الْقُرْآنِ مَالَهُ مِنَ الأَجْرِ (5/175) ح 2910.
(18) رواه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي بَاب عُمْرَةِ الْقَضَاءِ، صحيح البخاري مع فتح الباري (7/570-571) ح 4251.
(19) انظر شرح النووي على صحيح مسلم (12/138).
avatar
عبد الرحيم علي

عدد الرسائل : 104
العمر : 63
الموقع : irhassat.mountada.biz
تاريخ التسجيل : 11/07/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://irhassat.mountada.biz

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: جمع القرأن الكريم

مُساهمة من طرف عبد الرحيم علي في السبت يوليو 19, 2008 4:05 pm

حرق المصاحف المخالفة

بعد أن أتم عثمان ? نسخ المصاحف، وأمضاها إلى الأمصار، كان لا بد من منع كل ما خالفها، فأمر من كان عنده شيء مِمَّا عداها من الصحف التي كانوا يكتبون فيها القرآن أن يحرقه، حتى لا يأخذ أحدٌ إلا بتلك المصاحف التي حصل عليها إجماع الصحابة.
عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ في جمع عُثْمَانَ المصاحف، قال: حَتَّى إِذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ فِي الْمَصَاحِفِ، رَدَّ عُثْمَانُ الصُّحُفَ إِلَى حَفْصَةَ، وَأَرْسَلَ إِلَى كُلِّ أُفُقٍ بِمُصْحَفٍ مِمَّا نَسَخُوا، وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ مِنَ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ صَحِيفَةٍ أَوْ مُصْحَفٍ أَنْ يُحْرَقَ.(1)
وقد اختلفت الروايات بالذي فعله عثمان ? بالمصاحف التي كانت عند الناس، فرواية البخاري السابقة: وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ مِنَ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ صَحِيفَةٍ أَوْ مُصْحَفٍ أَنْ يُحْرَقَ.
قال الحافظ: في رواية الأكثر (أن يُخرق) بالخاء المعجمة… وفي رواية الإسماعيلي: (أن تمحى أو تحرق).(2)
وعند ابن أبي داود من حديث أنس بن مالك: وأمرهم أن يحرقوا كل مصحف يخالف المصحف الذي أرسل به، فذلك زمان حُرِّقَت المصاحف بالعراق بالنار.(3)
وهذه الرواية صريحة في أن ما فعلوه إنَّما هو إحراق تلك الصحف بالنار، إذهابًا لَها، وصونًا عن الوطء بالأقدام.
وعنده أيضًا من طريق أبي قلابة: فلما فرغ من المصحف، كتب إلى أهل الأمصار، أني قد صنعت كذا، ومحوت ما عندي، فامحوا ما عندكم.(4)
قال ابن حجر: والْمحو أعمُّ من أن يكون بالغسل أو التحريق، وأكثر الروايات صريحٌ في التحريق، فهو الذي وقع، ويحتمل وقوع كل منهما بحسب ما رأى من كان بيده شيء من ذلك.
وقد جزم القاضي عياضٌ بأنَّهم غسلوها بالماء، ثم أحرقوها مبالغة في إذهابِها.(5)
وقد روى ابن أبي داود بسنده عن بعض أهل طلحة بن مصرِّف، أنه قال: دفن عثمان المصاحف بين القبر والمنبر.(6)
وهذا الأثر ضعيفٌ، ففيه مجهول، وهو الراوي عن طلحة بن مصرِّف، ومع ذلك فهو مناقض لِمَا صحَّ من الآثار السابقة في الصحيح وغيره، أن عثمان ? أحرق المصاحف، وأنه لم ينكر عليه أحد من الصحابة ذلك.
وقد اتفق الصحابة ? مع عثمان على ما أراد من تحريق المصاحف التي كانوا يكتبونَها، فاستجابوا له وحرقوا مصاحفهم.
عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ أنه قال: يا أيها الناسُ، لا تغلوا في عثمان، ولا تقولوا له إلا خيرًا في المصاحف وإحراق المصاحف، فوالله، ما فَعَلَ الذي فَعَلَ في المصاحفِ إلاَّ عن ملأٍ منَّا جميعًا، قال: واللهِ، لو وُلِّيتُ لفعلتُ مثلَ الذي فعلَ.(7)
وعن مصعب بن سعد قال: أدركت الناس حين شقَّق عثمان ? المصاحف، فأعجبهم ذلك، أو قال: لم يعِبْ ذلك أحدٌ.(Cool
وأما الصحف التي كتبت في زمن أبي بكر ?، فقد ردَّها عثمان ? إلى حفصة بعد كتابة المصاحف، كما في حديث أنس بن مالك أنه قال: حَتَّى إِذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ فِي الْمَصَاحِفِ، رَدَّ عُثْمَانُ الصُّحُفَ إِلَى حَفْصَةَ.(9)
وقد أبقى عثمان ? الصحف التي كان كتبها أبو بكر، لأنه كان قد وعد حفصة -رضي الله عنها- أن يردَّها إليها، كما في الحديث المذكور آنفًا، عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قال: فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى حَفْصَةَ أَنْ أَرْسِلِي إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ نَنْسَخُهَا فِي الْمَصَاحِفِ ثُمَّ نَرُدُّهَا إِلَيْكِ فَأَرْسَلَتْ بِهَا حَفْصَةُ إِلَى عُثْمَانَ.
وعند ابن أبي داود من طريق ابن شهاب عن سالم قال: فأرسل إليها عثمان، فأبت أن تدفعها إليه، حتى عاهدها ليَرُدَّنَّها إليها، فبعثت بِها إليه.(10)
ويحتمل أنه أبقاها أيضًا لاحتمال الرجوع إليها؛ لأنَّها كانت أصلاً لمصاحفه، وانعقد عليها إجماع الصحابة، وأما غيرها، فقد تكون مخالفةً لمصاحفه؛ فتكون سببًا للاختلاف.
قال الجعبري: ونزل تحريقه ما سواها(11) على مصاحف الصحابة ?؛ لأنَّهم كانوا يكتبون فيها التفسير الذي يسمعونه من النَّبِيّ ?، ويحتمل ذلك نحو الرقاع؛ لئلا ينقلها من لا يعرف ترتيبها، فيختلَّ، لا الصحف، لاحتمال الرجوع إليها.(12)
ولَما تولى مروان بن الحكم(13) إمرة المدينة في خلافة معاوية ?، طلب الصحف من حفصة -رضي الله عنها- ليحرقها؛ حتى لا يرتاب في شأنِها أحدٌ، فيظن أن فيها ما يُخالف المصحف الذي استقرَّ عليه الأمر، أو يظن أنَّ فيها ما لم يكتبه عثمان في المصاحف، فأبت حفصة أن تعطيها إياها، فبقيت تلك الصحف عندها إلى وفاتِها، فلمَّا توفيت حضر مروان جنازتَها، ثم أرسل إلى عبد الله بن عمر بالعزيـمة أن يرسل الصحف إليه، فنشرها بين الناس وأحرقها، ليعلم الجميع بذلك، ولا تتشوَّف نفس أحد إلى ما فيها ظنًّا أنَّها تَختلف عن مصاحف عثمان ?.
عن سالم بن عبد الله أن مروان كان يرسل إلى حفصة يسألها الصحف التي كُتب منها القرآن، فتأبى حفصة أن تعطيه إياها. قال سالم: فلمَّا تُوفيت حفصة ورجعنا من دفنها أرسل مروان بالعزيـمة إلى عبد الله بن عمر ليُرسِلنَّ إليه بتلك الصحف، فأرسل بِها إليه عبد الله بن عمر، فأمر بِها مروان فشُقِّقت، فقال مروان: إنَّما فعلت هذا لأن ما فيها قد كُتِب وحُفِظ بالمصحف، فخشيت إن طال بالناس زمانٌ أن يرتاب في شأن هذه الصحف مُرتابٌ، أو يقول: قد كان شيءٌ منها لم يُكْتب.(14)
وفي رواية: ففشاها وحرَّقها، مَخافة أن يكون في شيء من ذلك اختلافٌ لَمَّا نسخ عثمان -رحمة الله عليه.(15)
وفي رواية فغسلها غسلاً.(16)
ولا يبعد أن يكون مروان قد فعل بالصحف جميع ما ذكر من التمزيق والغسل والتحريق.
قال ابن حجر: ويجمع بأنه صنع بالصحف جميع ذلك من تشقيق، ثم غسل، ثم تحريق.(17)
حكم ما بلي من الصحف التي فيها قرآن
وقد اختلف العلماء في الصحف التي فيها كلام الله إذا بليت، فاحتيج إلى تعطيلها.
فذهب كثيرٌ من العلماء إلى جواز تحريقها صيانة لها من الوطء أو الامتهان، وذهب البعض إلى غسلها بالماء، وبعضهم إلى دفنها في الأرض.
عن ابن طاووس عن أبيه، أنه لم يكن يرى بأسًا أن يحرق الكتب، وقال: إنما الماء والنار خلقان من خلق الله تعالى.(18)
قال ابن بطال معلقًا على قول أنس بن مالك السابق: (وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ مِنَ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ صَحِيفَةٍ أَوْ مُصْحَفٍ أَنْ يُحْرَقَ)، قال: في هذا الحديث جواز تحريق الكتب التي فيها اسم الله بالنار، وأن ذلك إكرامٌ لَها وصونٌ عن وطئها بالأقدام.(19)
قال السيوطي: لا يجوز وضعها في شقٍّ أو غيره، لأنه قد يسقط ويُوطأ، ولا يجوز تَمزيقها، لِما فيه من تقطيع الحروف، وتفرقة الكلم، وفي ذلك إزراءٌ بالمكتوب.(20)
وقال الحليمي:(21) وله غسلهابالماء، وإن أحرقها بالنار فلا بأس.
قال الزركشي: وذكر غيره أن الإحراق أولى من الغسل؛ لأن الغُسالة قد تقع على الأرض.(22)
وجزم القاضي حسين(23) من الشافعية بامتناع الإحراق؛ لأنه خلاف الاحترام، وجزم النووي بالكراهة.(24)
عن أبي موسى الأشعري أنه أُتي بكتاب، فقال: لولا أني أخاف أن يكون فيه ذكر الله ? لأحرقته.(25)
وفي بعض كتب الحنفية أن المصحف إذا بلي لا يُحرق، بل يُحفر له في الأرض، ويدفن.
قال الزركشي: ونُقل عن أحمد أيضًا، وقد يتوقف فيه؛ لتعرضه للوطء بالأقدام.(26)
والذي يظهر رجحانه من هذه الأقوال قول من رأى إحراقها بالنار؛ لأنه فعل الصحابة ?، ولم يخالف في ذلك أحدٌ منهم، ولو أن بعضهم كره الإحراق لنُقل إلينا.
وقد مرَّ بنا قريبًا الآثار التي فيها تحريق الصحف في زمن عثمان ?، والتي فيها رضى الصحابة جميعًا بِما صنع.

(1) رواه البخاري في صحيحه: كتاب فضائل القرآن باب جمع القرآن (8/626) ح 4987.
(2) فتح الباري بشرح صحيح البخاري (8/636).
(3) كتاب المصاحف ص 27.
(4) كتاب المصاحف ص 29.
(5) فتح الباري بشرح صحيح البخاري (8/636).
(6) كتاب المصاحف لابن أبي داود، باب انتزاع عثمان ? المصاحف، ص 43.
(7) رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب جمع عثمان المصاحف ص 30. وقال الحافظ ابن حجر: بإسنادٍ صحيح. فتح الباري (8/634).
(Cool رواه الداني في المقنع في معرفة رسم مصاحف الأمصار ص 18، ورواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب اتفاق الناس مع عثمان على جمع المصاحف، ص 19، ولفظه: ولم ينكر ذلك منهم أحدٌ.
(9) رواه البخاري في صحيحه: كتاب فضائل القرآن باب جمع القرآن (8/626) ح 4987.
(10) رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف، باب جمع أبي بكر الصديق القرآن ص 16، وعند الطحاوي: وَحَلَفَ لَهَا لَيَرُدَّنَّ الصَّحِيفَةَ إلَيْهَا. تأويل مشكل الآثار، باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ? مِنْ قَوْلِهِ: أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ. (4/193).
(11) يعني الصحف التي كتبها أبو بكر.
(12) انظر الكواكب الدرية ص 25.
(13) هو مروان بن الحكم بن أبي العاص، ولد سنة اثنتين من الهجرة، ولم ير النَّبِيّ ?، استعمله معاوية ? على مكة والمدينة والطائف، وبويع له بالخلافة بعد وفاة معاوية بن يزيد بن معاوية، وكانت مدة ولايته تسعة أو عشرة أشهرٍ. أسد الغابة في معرفة الصحابة (5/144،145).
(14) رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب جمع عثمان المصاحف ص 32، وقال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح. مجمع الزوائد (7/159)، وقال ابن كثير: إسنادٌ صحيح. فضائل القرآن ص 46.
(15) كتاب المصاحف لابن أبي داود ص 28.
(16) ذكرها الحافظ في الفتح (8/636).
(17) فتح الباري بشرح صحيح البخاري (8/636).
(18) رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب حرق المصحف إذا استغني عنه. ص 224.
(19) انظر فتح الباري (8/637).
(20) الإتقان في علوم القرآن (4/165).
(21) هو الإمام أبو عبد الله الحسين بن الحسن الحليمي البخاري، شيخ الشافيعة، ورئيس المحدثين والمتكلمين بِما رواء النهر، صاحب المنهاج في شعب الإيمان، توفي سنة 403 هـ. انظر شذرات الذهب (3/167-168)، وسير أعلام النبلاء (17/231-232).
(22) البرهان في علوم القرآن (1/477).
(23) هو القاضي أبو علي الحسين بن محمد بن أحمد المروزي، شيخ الشافعية في زمانه، وصاحب الفتاوى المشهورة، توفي سنة 462 هـ. انظر شذرات الذهب (3/310).
(24) التبيان في آداب حملة القرآن ص 89، والإتقان في علوم القرآن (4/165).
(25) رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب حرق المصحف إذا استغني عنه. ص 224.
(26) البرهان في علوم القرآن (1/477).
avatar
عبد الرحيم علي

عدد الرسائل : 104
العمر : 63
الموقع : irhassat.mountada.biz
تاريخ التسجيل : 11/07/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://irhassat.mountada.biz

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: جمع القرأن الكريم

مُساهمة من طرف عبد الرحيم علي في السبت يوليو 19, 2008 4:06 pm

اعتراض ابن مسعود على عدم توليه الجمع

كان عبد الله بن مسعود ? أحد أئمة القراءة من أصحاب النَّبِيّ ?،ـ(1) وكان أول من جهر بالقرآن بين المشركين في مكة،(2) وكان أحد الأربعة الذين أمر النَّبِيّ ? بأخذ القرآن عنهم.
فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنُ عَمْرٍو أنه ذَكَرَ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ فَقَالَ: لاَ أَزَالُ أُحبُّهُ؛ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ? يَقُولُ: خُذُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ: مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَسَالِمٍ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.(3)
فلمَّا جمع عثمان ? القرآن، ونسخه في المصاحف، وأرسلها إلى الأمصار، كَرِه ذلك ابن مسعودٍ ?، فقد كان يكره أن يُمنع أحدٌ من قراءة شيء سمعه من رَسُول اللهِ ?.
عن أبي الشعثاء قال: كنا جلوسًا في المسجد، وعبد الله يقرأ، فجاء حذيفة، فقال: قراءة ابن أم عبدٍ، وقراءة أبي موسى الأشعري! والله إن بقِيتُ حتى آتِيَ أمير المؤمنين (يعني عثمان) لأمرتُهُ أن يجعلها قراءةً واحدةً. قال: فغضب عبد الله، فقال لحذيفة كلمةً شديدةً. قال: فسكت حذيفة.(4)
ولَمَّا أرسل عثمان ? المصحف إلى الكوفة مع حذيفة بن اليمان كره ذلك ابن مسعود،(5) وكان يرى أنه أحق بأن يقوم بجمع القرآن، لِما له من المكانة في القراءة، والتلقِّي عن رَسُول اللهِ ? .
عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنه قَالَ: عَلَى قِرَاءةِ مَنْ تَأْمُرُونِّي أَقْرَأُ؟ لَقَدْ قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ? بِضْعًا وَسَبْعِينَ سُورَةً، وَإِنَّ زَيْدًا لَصَاحِبُ ذُؤَابَتَيْنِ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ.(6)
ولَمَّا أمر عثمان ? بانتزاع المصاحف المخالفة وإحراقها، رفض ذلك ابن مسعودٍ ?، وأمر الناس بأن يغلُّوا المصاحف.
فعَنْ شَقِيقٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ أَنَّهُ قَالَ: } وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ {،(7) ثُمَّ قَالَ: عَلَى قِرَاءةِ مَنْ تَأْمُرُونِي أَنْ أَقْرَأَ؟ فَلَقَدْ قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ? بِضْعًا وَسَبْعِينَ سُورَةً، وَلَقَدْ عَلِمَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ? أَنِّي أَعْلَمُهُمْ بِكِتَابِ اللهِ، وَلَوْ أَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا أَعْلَمُ مِنِّي لَرَحَلْتُ إِلَيْهِ. قَالَ شَقِيقٌ: فَجَلَسْتُ فِي حَلَقِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ? فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَرُدُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَلاَ يَعِيبُهُ.(Cool
وقَالَ الزُّهْرِيُّ أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَرِهَ لِزَيْدِ ابْنِ ثَابِتٍ نَسْخَ الْمَصَاحِفِ، وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، أُعْزَلُ عَنْ نَسْخِ كِتَابَةِ الْمُصْحَفِ، وَيَتَوَلاَّهَا رَجُلٌ، وَاللهِ، لَقَدْ أَسْلَمْتُ وَإِنَّهُ لَفِي صُلْبِ رَجُلٍ كَافِرٍ، يُرِيدُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، وَلِذَلِكَ قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ اكْتُمُوا الْمَصَاحِفَ الَّتِي عِنْدَكُمْ وَغُلُّوهَا؛ فَإِنَّ اللهَ يَقُولُ:} وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ {، فَالْقُوا اللهَ بِالْمَصَاحِفِ.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَبَلَغَنِي أَنَّ ذَلِكَ كَرِهَهُ مِنْ مَقَالَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رِجَالٌ مِنْ أَفَاضِلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ?.ـ(9)
كان هذا هو مجمل اعتراض عبد الله بن مسعودٍ ? على عثمان في تولية زيدٍ نسخ المصاحف.
ولا شك أن اختيار عثمان ? زيدًا لنسخ المصاحف كان نظرًا منه لمصلحة الإسلام والمسلمين، لِما يرى من أهليته دون غيره لذلك العمل الجليل، ولو أنه ? ظنَّ بعبد الله بن مسعودٍ مثل ذلك وعلمه منه، لترتَّب عليه فَرْضُ توليته دون غيره.
ولو حدث ذلك لساغ لآخر أن يقول: ولم اختار ابن مسعود دون غيره؟ ولمَ عدل عن أبيِّ بن كعبٍ مع ما فيه من الفضائل؟ ولمَ ترك زيد بن ثابت، وهو كاتب النَّبِيّ ?؟ وهذا باب لا طريق إلى سدِّه.(10)
فاختيار زيد لِهَذِهِ المهمة كان اجتهادًا من الخليفة الراشد عثمان ?، وكان نظرًا منه لِمصلحة الأمة، وقد وافقه على هذا الاجتهاد كل من شهده، إلا ما ورد عن ابن مسعود من كراهية ذلك.
ولقد صوَّب العلماء اختيار عثمان زيدَ بن ثابتٍ لِهذا العمل، وعللوا ذلك بأمور، منها:
الأول: أن زيدًا كان هو الذي قام بجمع القرآن في عهد أبي بكر، لكونه كاتبَ الوحي، ولَمَّا كانت المهمة الجديدة، وهي نسخ المصاحف، مرتبطة بالمهمة الأولى -كان اختار زيد أولى من اختيار ابن مسعودٍ، فقد كان لزيد في ذلك أوليةً ليست لغيره.(11)
وقد روى ثعلبة بن مالك عن عثمان ? أنه قال: من يعْذِرُني من ابن مسعودٍ، يدعو الناس إلى الخلاف والشبهة والتعصب عليَّ إذ لم أوَلِّه نسخ القرآن، فهلاَّ عتب على أبي بكر وعمر، هما عزلاه عن نسخ القرآن وولياه زيدَ بن ثابت، واتَّبعت أثرهما فيما بقيَ من أصحاب النَّبِيّ ?.ـ(12)
الثاني: أن جمع القرآن في زمن عثمان كان بالمدينة، وكان ابن مسعودٍ إذ ذاك بالكوفة، ولم يؤخر عثمان ما عزم إليه من ذلك إلى أن يرسل إليه ويحضر، فقد كانت الفتنة تدق الأبواب بعنفٍ، وكان لا بد من معاجلتها قبل أن تستشري.(13)
الثالث: أن فضل ابن مسعود على زيد بن ثابت لا يسوِّغ تقديـمه عليه في نسخ المصاحف، فقد كان ابن مسعود إمامًا في الأداء، وكان زيدٌ إمامًا في الخط والكتابة، مع كونه في المحل الشريف في حفظ القرآن، وحسن الخط والضبط، وكان من خواص كتبة النَّبِيّ ?، فكان اختيار الأعلم بالكتابة والخط والضبط أولى من اختيار الأقدم في التلقي والحفظ.
فلو أن أحدنا أراد أن يكتب اليوم مصحفًا، فلن يلتمس له أقدم أهل عصره حفظًا، أو أقواهم أو أشجعهم، وإنَّما يلتمس أحسنهم ضبطًا وخطًّا، وأحضرهم فهمًا.(14)
وقد ورد أن عبد الله بن مسعود لم يكن قد حفظ كل القرآن في حياة النَّبِيّ ?، بل ورد أيضًا أنه مات ولم يختمه، فكان زيدٌ بذلك أولى منه، إذ قد كان حفظ القرآن كله في حياة النَّبِيّ ?.
قال القرطبي: فالشائع الذائع الْمتَعالَم عند أهل الرواية والنقل أن عبد الله بن مسعود تعلَّم بقية القرآن بعد وفاة رَسُول اللهِ ?، وقد قال بعض الأئمة: مات عبد الله بن مسعود قبل أن يختم القرآن.(15)
ويضاف إلى هذا ما كان لزيد بن ثابت من الخصال التي أهلته لجمع القرآن على عهد الصدِّيق، كما مرَّ بنا.(16)
وقد كان يكفي لاختياره لِهذا العمل ثقة النَّبِيّ ? فيه، إذ أمره أن يتعلم كتاب يهودٍ، فتعلمه في سبعةَ عشرَ يومًا، فضرب بذلك أروع مثلٍ في الفطنة والذكاء، مع حداثة سِنِّه ?.
عن زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ?، فَتَعَلَّمْتُ لَهُ كِتَابَ يَهُودَ، وَقَالَ: إِنِّي وَاللهِ مَا آمَنُ يَهُودَ عَلَى كِتَابِي، فَتَعَلَّمْتُهُ، فَلَمْ يَمُرَّ بِي إِلاَّ نِصْفُ شَهْرٍ حَتَّى حَذَقْتُهُ، فَكُنْتُ أَكْتُبُ لَهُ إِذَا كَتَبَ، وَأَقْرَأُ لَهُ إِذَا كُتِبَ إِلَيْهِ.(17)
وفي رواية أنه قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ?: تُحْسِنُ السُّرْيَانِيَّةَ؟ إِنَّهَا تَأْتِينِي كُتُبٌ. قَالَ: قُلْتُ: لاَ. قَالَ: فَتَعَلَّمْهَا. فَتَعَلَّمْتُهَا فِي سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا.(18)
وقد أنكر الصحابة على ابن مسعود ما فعله من منافرة الجماعة فيما رأوا من نسخ المصاحف واختيار زيد لذلك العمل، ومن تحريضه الناس على عدم تحريق مصاحفهم، كما مرَّ قريبًا في حديث الزهري، وفيه:
قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَبَلَغَنِي أَنَّ ذَلِكَ كَرِهَهُ مِنْ مَقَالَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رِجَالٌ مِنْ أَفَاضِلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ?.ـ(19)
على أن ما جاء عن ابن مسعود من كراهة ذلك إنما كان ظنًّا منه أنه يَمنع من قراءة القرآن على وجه مما صحَّ عن النَّبِيّ ? أنه قرآن منَزل، مستقرٌّ في العرضة الأخيرة، فلمَّا تبين له عدم المنع مِمَّا صح من القراءة رجع عن رأيه إلى رأي الجماعة.
قال الباقلاني: وقد وردت الروايات أن عثمان وعظه، وحذَّره الفُرقة، فرجع واستجاب إلى الجماعة، وحثَّ أصحابه على ذلك، فروي عنه في حديث طويل، أنه قال: … فمن قرأ على قراءتي، فلا يدعها رغبةً عنها، ومن قرأ عليَّ شيئًا من هذه الحروف، فلا يدعَنْه رغبةً عنه؛ فإنه من جحد بحرف منه فقد جحده كله.(20)
مصحف ابن مسعود يوافق مصاحف الجماعة
ومِمَّا يدل على أن ابن مسعودٍ ? قد رجع إلى رأي الجماعة أن قراءته قد رواها عاصم وحمزة والكسائي، وغيرهم، كما مرَّ بنا،(21) وقراءة هؤلاء الأئمة موافقة للمصاحف العثمانية -بلا شكٍّ.
ولا شك أيضًا أن قراءة ابن مسعود كانت موافقة لِمصحفه، فدل ذلك على أنه رجع إلى ما اتفقت عليه جماعة المسلمين، بعد أن ظهر له صوابُهم في ذلك.
قال أبو محمد بن حزم: وأما قولُهم إن مصحف عبد الله بن مسعود ? خلاف مصحفنا فباطلٌ وكذبٌ وإفكٌ. مصحف عبد الله بن مسعود إنَّما فيه قراءته بلا شكٍّ، وقراءتُه هي قراءة عاصمٍ المشهورة عند جميع أهل الإسلام في شرق الأرض وغربِها، نقرأ بِها كما ذكرنا، كما نقرأ بغيرها مما صحَّ أنه كل منَزلٌ من عند الله تعالى.(22)
قال البلاقلاني: ولو كان في قراءة ابن مسعود ما يُخالف مصحف عثمان لظهر ذلك في قراءة حمزة خاصةً … إلى أن قال: ولو لقي أحدٌ من أصحاب عبد الله أحدًا مِمَّن قرأ عليه خلاف قراءة الجماعة، لوجب أن ينقل ذلك نقلاً ظاهرًا مشهورًا، وفي عدم ذلك دليلٌ على فساد هذا.(23)

(1) مرَّ ذكره في المبحث الرابع من الفصل الأول من الباب الأول (الحفاظ من الصحابة).
(2) السيرة النبوية لابن هشام (1/275).
(3) رواه البخاري في فضائل القرآن باب القراء من أصحاب النبي ? ح 4999.انظر الصحيح مع فتح الباري (8/662).
(4) رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب كراهية عبد الله بن مسعود ذلك ص 20.
(5) انظر المصاحف لابن أبي داود ص 44.
(6) رواه النسائي في سننه، كتاب الزينة، باب الذؤابة (8/134) ح 5063، وابن أبي داود في كتاب المصاحف باب كراهية عبد الله بن مسعود ذلك ص 21،22.
(7) سورة آل عمران، من الآية 161.
(Cool رواه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، بَاب مِنْ فَضَائِلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ (16/16) ح 2462، وابن أبي داود في كتاب المصاحف باب كراهية عبد الله بن مسعود ذلك ص 23.
(9) رواه الترمذي في جامعه،كتاب تفسير القرآن باب ومن سورة التوبة (4/348-349) ح 3104، وابن أبي داود في كتاب المصاحف باب كراهية عبد الله بن مسعود ذلك ص 24-25.
(10) انظر نكت الانتصار لنقل القرآن ص 369-370.
(11) نكت الانتصار لنقل القرآن ص 363، و ص 368، وفتح الباري (8/635).
(12) ذكر هذا الخبر القاضي الباقلاني في الانتصار، انظر: نكت الانتصار لنقل القرآن ص 363.
(13) فتح الباري (8/635)، ونكت الانتصار لنقل القرآن ص 372.
(14) انظر نكت الانتصار لنقل القرآن ص 368-369.
(15) الجامع لأحكام القرآن (1/39).
(16) انظر : من قام بالجمع في عهد أبي بكر، وهو الفصل الثالث من الباب الثاني.
(17) رواه أبو داود في سننه، كتاب العلم باب رواية حديث أهل الكتاب (3/318) ح 3645.
(18) رواه أحمد في مسنده، مسند الأنصار (6/223) ح 21077.
(19) رواه الترمذي في جامعه،كتاب تفسير القرآن باب ومن سورة التوبة (4/348-349) ح 3104، وابن أبي داود في كتاب المصاحف باب كراهية عبد الله بن مسعود ذلك ص 24-25.
(20) نكت الانتصار لنقل القرآن ص 264، وروى نحوه الإمام أحمد في مسنده: مسند المكثرين من الصحابة، (1/669) ح 3835.
(21) انظر مبحث الحفاظ من الصحابة، وهو المبحث الرابع من الفصل الأول من الباب الأول.
(22) الفصل في الملل والأهواء والنحل (2/212).
(23) نكت الانتصار لنقل القرآن ص 380-382.
avatar
عبد الرحيم علي

عدد الرسائل : 104
العمر : 63
الموقع : irhassat.mountada.biz
تاريخ التسجيل : 11/07/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://irhassat.mountada.biz

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

صفحة 2 من اصل 2 الصفحة السابقة  1, 2

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى